إصلاحُ الإدارةِ المحلية.. لا تجعلوا من وطننا حقلاً لتجاربكم، ولا مزرعةً لأعطياتكم وهباتكم

منذر محمد الزغول
===
يبدو أنَّ قطاعَ الإدارةِ المحليةِ في وطننا الغالي أصابهُ ما أصابَ بعضَ القطاعاتِ الأخرى من تخبطٍ، وأصبحَ حقلاً للتجاربِ، كما هو حالُ التعليمِ والتوجيهي وغيرهِ من القطاعاتِ التي لم يستقرْ لها حالٌ منذ سنواتٍ طويلةٍ خلت؛ الأمرُ الذي أربكَ المشهدَ برمتهِ ولم نعد نعرفُ أين وصلنا وإلى أين سنصل، والخاسرُ الوحيدُ بالنهايةِ هو الوطنُ وأبناءُ الوطن.
بالعودةِ إلى قطاعِ الإدارةِ المحليةِ والإصلاحاتِ التي أصبحت تتحدثُ عنها الحكومةُ في أهمِّ قطاعٍ في وطننا، حيثُ إنهُ كانت تقعُ على هذا القطاعِ المسؤوليةُ الكبرى لسنواتٍ طويلةٍ خلت في تقديمِ غالبيةِ الخدماتِ للمواطنين، وكانت البلدياتُ الشريكَ الرئيسيَّ والهامَّ لكافةِ القطاعاتِ في وطننا.
اليومَ وبظلِّ ما تتحدثُ عنه الحكومةُ من إصلاحاتٍ وما رشحَ من معلوماتٍ أوليةٍ عن القوانينِ الجديدةِ للبلدياتِ ومجالسِ المحافظاتِ، فالأمورُ لم تعد تبشرُ بأيِّ خيرٍ ولا بأيِّ إصلاحٍ حقيقيٍّ نادى وينادي به ملكُ البلادِ في كلِّ وقتٍ وحين. فهل من الإصلاحِ مثلاً أن تأتيَ بمجالسَ صوريةٍ -وكما يقالُ مجرد ديكور- لا صلاحياتِ لها، بحججِ الحدِّ من صلاحياتِ الرئيسِ والمجالس؟ وهل هذه مشكلتنا فقط؟ ألم تتركوا البلدياتِ لسنواتٍ طويلةٍ خلت بدونِ دعمٍ حقيقيٍّ لتتمكنَ من القيامِ بواجباتها على الوجهِ الأمثل؟ وكأني بكم والله كنتم تقولون للمجالسِ البلديةِ: “اذهبوا أنتم وبلدياتكم فقاتلوا إنا ههنا قاعدون”.
ثم مَن أوصلَ الكثيرَ من البلدياتِ إلى هذا الفسادِ والترهلِ الذي تتحدثون عنه؟ ألم يكن بإمكانكم مثلاً أن تتخذوا بحقِّ من ثبتَ عليه الفسادُ جزاءَهُ العادل؟ في الوقتِ الذي لم نسمع فيه طوالَ حياتنا إلا عن قضايا محدودةٍ جداً تم تقديمُ أصحابها للعدالة؛ وهنا ألم يكن بالإمكان إطلاقُ العنانِ لديوانِ المحاسبةِ وهيئةِ النزاهةِ ومكافحةِ الفسادِ وتوسيعُ الصلاحياتِ الممنوحةِ لهم، خاصةً أنَّ قضايا الفسادِ في البلدياتِ تتركزُ في أمرينِ لا ثالثَ لهما وهما: التعييناتُ والعطاءاتُ. أما أن نأتيَ بمجالسَ ورؤساء بلدياتٍ لا صلاحياتِ حقيقيةً لهم، فهنا ستكونُ المشكلةُ والطامةُ الكبرى؛ ولذلك أقترحُ هنا بدلَ كلِّ هذه “الأحجيةِ” الغريبةِ العجيبةِ أن تقومَ الحكومةُ بتعيينِ رؤساء البلدياتِ كما هو الحالُ بأمانةِ عمان، وهو أمرٌ أفضلُ بكثيرٍ من انتخابِ مجالسَ بدونِ أيِّ صلاحياتٍ تُذكر.
على الجانبِ الآخر من إصلاحاتِ الإدارةِ المحليةِ تأتي مجالسُ المحافظاتِ التي بدأت قويةً جداً عندما كانت تتبعُ لوزارةِ الداخليةِ، وكان يمكنُ لهذه المجالسِ أن تحدثَ نقلةً نوعيةً كبيرةً جداً في تنميةِ الوطنِ وازدهارهِ، وهي للأمانةِ فكرةٌ جميلةٌ كانت من أروعِ الأفكارِ والمشاريعِ التي مرت على الوطنِ، وكان يُرادُ لها أن تُحدثَ تنميةً حقيقيةً في الأطرافِ والمحافظاتِ البعيدةِ عن العاصمةِ، وقد بدأنا نلمسُ إنجازاتٍ حقيقيةً لهذه المجالسِ. إلا أنَّ عدمَ جديةِ الحكوماتِ بإنجاحِ هذه الفكرةِ كان واضحاً من خلالِ التعقيداتِ الكبيرةِ التي وضعت أمام هذه المجالسِ لعرقلةِ وإعاقةِ عملها، إلا أنَّ جديةَ الأشخاصِ المنتخبين ومتابعتهم الدائمة أثمرت عن تنفيذِ العديدِ من المشاريعِ الهامةِ في المحافظاتِ الأردنية.
لكن رغمَ كلِّ ذلك، إلا أنَّ عدمَ جديةِ الحكوماتِ في التعاطي مع مجالسِ المحافظاتِ وإنجاحِ عملها، وإفشالَ هذه التجربةِ الرائدةِ كان واضحاً منذ البدايات؛ حيثُ تمَّ دقُّ المسمارِ الأولِ في هذه المجالسِ عندما تمَّ إتباعها لوزارةِ الإدارةِ المحليةِ التي لم تقدم أيَّ شيءٍ لهذه المجالسِ سوى المزيدِ من إضعافها وعرقلةِ عملها، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من إجهاضٍ لهذه الفكرةِ وهذا المشروعِ الأجملِ؛ حيث تشيرُ كلُّ المعطياتِ أنَّ المجالسَ القادمةَ ستُدارُ كما هو الحالُ الآن من قِبَلِ أشخاصٍ معينين من الحكومةِ، بحجةِ أنهم بالأصلِ أشخاصٌ منتخبون في مواقعهم، والكثيرُ من هؤلاءِ الأشخاصِ المعينين كما يعرفُ الجميعُ ليس متفرغاً على الإطلاقِ، بل إنَّ غالبيتهم يشغلون وظائفَ هامةً ومنهم أيضاً من هو متقاعدٌ من عملهِ ويشغلُ وظيفةً معينةً ولديهِ أعمالهُ الخاصة، فأيُّ إنجازاتٍ سننتظرها من هذه المجالس؟ ثم إنَّ الأدهى والأمرَّ أنَّ الحكومةَ وكما سمعنا ستتوسعُ في عمليةِ التعييناتِ لتطالَ أيضاً المجالسَ البلديةَ.
في الواقعِ، قد أتقبلُ أن يتمَّ تعيينُ شخصٍ متفرغٍ تماماً لعملهِ كما هو الحالُ ببعضِ رؤساء لجانِ البلدياتِ الذين نجلهم ونحترمهم، وبعضهم أبدعَ أيما إبداعٍ في عملهِ، وقد أتفهمُ أن يتمَّ تعيينُ لجانٍ لعدةِ أشهرٍ كما كان سابقاً لحينِ إجراءِ انتخاباتٍ لمجالسَ جديدةٍ، لكن أن تبقى البلادُ تُدارُ بلجانٍ وتعييناتٍ لسنواتٍ فهذا الأمرُ مستغربٌ على بلدنا، ولن يصبَّ بصالحِ الإصلاحِ الذي ينادي به جلالةُ الملكِ -حفظهُ الله- صباحَ مساءَ. ويبدو أنَّ هذه الحكومةَ تحديداً لم تلتقطْ إشاراتِ جلالتهِ في خطابِ التكليفِ السامي كما هي، بل إنها ذهبت بعيداً جداً في التغولِ على الوطنِ والديمقراطيةِ وخياراتِ الشعبِ في اختيارِ من سيمثلهُ، وأمعنتِ الحكومةُ كثيراً بتعييناتٍ وتنفيعاتٍ أصابتنا جميعاً بالإحباطِ واليأسِ ومن أنَّ هناك أيَّ أملٍ في الإصلاحِ، بل إننا أصبحنا لا نثقُ بأيِّ شيءٍ بظلِّ هذه الحكوماتِ التي تتخبطُ بكلِّ شيءٍ، حتى بمستقبلِ هذا الوطنِ وثقةِ أبناءِ الوطنِ فيه.
أخيراً، أتمنى أن تكونَ الرسالةُ قد وصلت؛ فالإصلاحُ يبدأُ أولاً وأخيراً من تركِ الناسِ تختارُ من تتوسمُ فيهم الخيرَ، فالأشخاصُ المنتخبون في العادةِ يقاتلون من أجلِ أن تبقى ثقةُ الناسِ فيهم عاليةً رغم كلِّ ما تمَّ ذكرهُ عن الفسادِ والترهلِ، والإصلاحُ أيضاً يبدأُ من تقويةِ مجالسِ المحافظاتِ وإعطائها كاملَ الصلاحياتِ، أما التعييناتُ فلن تجديَ نفعاً على الإطلاقِ، ولن يقاتلَ الشخصُ المعينُ -حتى لو كنتُ أنا شخصياً- من أجلِ أيِّ شيءٍ، فالمعينُ يهمهُ بالنهايةِ -مع الاحترامِ الشديدِ- أن لا يزعجَ من قام بتعيينهِ. ولو كان أمرُ التعييناتِ مجدياً، لماذا لا يتمُّ تعيينُ كاملِ أعضاءِ مجلسِ النوابِ من أمناءِ الأحزابِ ورؤساءِ النقاباتِ وغيرهم وهم بالنهايةِ -كما تقولُ الحكومةُ- أشخاصٌ منتخبون من قِبَلِ الجهاتِ التي يمثلونها؟
أتمنى على الحكومةِ أن لا تمعنَ كثيراً في زعزعة ثقتنا بوطننا الغالي وأن لا تحبطنا فوق كلِّ هذا الإحباطِ واليأسِ الذي نعيشه، فهذا الوطنُ والله أغلى علينا من نفوسنا، ونغارُ عليه من نسماتِ الهواءِ التي تعبرُ من فوقِ سمائهِ، فيا رعاكم الله لا تجعلوا من وطننا حقلاً لتجاربكم، ولا تجعلوا منه مزرعةً لأعطياتكم وهباتكم.
حفظ اللهُ وطننا الغالي، وحفظ قائدَ وطننا جلالةَ الملكِ المفدى ووليَّ عهدهِ، وإن شاء الله سيبقى هذا الوطنُ حراً عزيزاً مهاباً عصياً رغم تخبطِ الحكوماتِ ورغم كلِّ المؤامراتِ التي تُحاكُ عليه من كلِّ حدبٍ وصوب .
بقلم / منذر محمد الزغول
ناشر ومدير وكالة عجلون الاخبارية

