اثر البطلان على العقود والإجراءات !!!


محامي محمد صدقي الغرايبة

كثيراً ما يقع الخلط بين العقد الباطل والإجراء الباطل، رغم أن لكل منهما طبيعة قانونية مختلفة وأحكاماً مختلفة تماماً، خاصة من حيث التصحيح والإجازة وآثار البطلان.

فالعقد الباطل يتعلق بأصل الحق والتصرف القانوني ذاته، بينما الإجراء الباطل يتعلق بالوسيلة أو الشكل الذي تستعمله الخصومة القضائية. ولهذا كان موقف المشرّع الأردني أكثر تشدداً في العقود، وأكثر مرونة في الإجراءات.

فالقانون المدني الأردني نص على أن العقد الباطل لا ينتج أي أثر قانوني، ويعتبر كأن لم يكن، ولا ترد عليه الإجازة، لأن البطلان هنا يمس ركناً أساسياً من أركان العقد أو يتعلق بالنظام العام. فالعقد الباطل لا يمكن تصحيحه بإرادة لاحقة، ولا يكتسب الشرعية بمجرد رضا الأطراف بعد ذلك، لأنه ولد معدوماً من الناحية القانونية.

أما في الإجراءات القضائية، فإن المشرّع لم يأخذ بنفس التشدد، بل قرر قاعدة مهمة مفادها:

“لا بطلان إلا بنص”.

والمقصود بذلك أن الإجراء لا يبطل لمجرد وجود مخالفة شكلية، إلا إذا نص القانون صراحة على البطلان، أو ترتب على المخالفة ضرر يمس حقوق الخصوم أو ضمانات التقاضي.

ولهذا نجد أن الإجراء الباطل قد يقبل التصحيح أو الإجازة أو زوال البطلان بتحقق الغاية من الإجراء. فالتبليغ المعيب مثلاً قد يصح إذا حضر الخصم أمام المحكمة وتحقق العلم بالدعوى، لأن الغاية من التبليغ قد تحققت فعلاً.

ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بينهما:

* العقد الباطل يتعلق بجوهر التصرف القانوني، لذلك لا ينتج أثراً ولا تلحقه الإجازة.
* أما الإجراء الباطل فيتعلق بالشكل والوسيلة، لذلك قد يصحح أو تزول آثاره إذا تحققت الغاية منه.

والحكمة من ذلك أن العدالة لا ينبغي أن تضيع بسبب شكليات يمكن تداركها، بينما لا يجوز في المقابل حماية تصرف قانوني فاقد لأساسه المشروع أو لأركانه الجوهرية.

لذلك فإن القياس بين العقد الباطل والإجراء الباطل يعد من أكثر الأخطاء القانونية شيوعاً، لأن لكل منهما فلسفة قانونية مختلفة وأحكاماً مستقلة لا يجوز الخلط بينها.
المحامي محمد صدقي غرايبه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.