اجنحة العدالة !!

محامي محمد صدقي الغرايبة
تقوم العدالة على أجنحة متكاملة لا تستطيع التحليق أو تحقيق غايتها إلا بتعاونها وتوازنها فالقضاء يمثل ميزان العدالة والنيابة العامة تمثل سلطة المجتمع في ملاحقة الجريمة وحماية النظام العام أما المحامي فهو الجناح الذي يحمل صوت الحق والدفاع ويضمن أن تبقى الخصومة القضائية قائمة على مبدأ المساواة واحترام القانون ،لذلك وصف المحامي بأنه رجل القضاء الواقف لأنه يقف إلى جانب القضاء لا في مواجهته ويؤدي رسالة لا تقل أهمية عن رسالة القاضي في الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة وصون الحقوق والحريات.
من هنا يجب ان تدرك بأن المحاماة ليست مجرد مهنة حرة يمارسها صاحبها لقاء أتعاب متفق عليها بل هي رسالة قانونية وإنسانية تقوم على حماية الحقوق والدفاع عن المظلوم وأصحاب الحقوق وضمان حسن تطبيق القانون .
وقد أدركت التشريعات الحديثة خطورة وأهمية هذا الدور فاشترطت في العديد من القضايا أن تتم الخصومة بواسطة محامٍ أستاذ لأن إجراءات التقاضي ليست عملاً بسيطاً يستطيع أي شخص القيام به مهما بلغ من العلم والثقافة … فالدعوى القضائية ليست مجرد رواية للوقائع وإنما هي بناء قانوني متكامل يحتاج إلى معرفة دقيقة بالقانون والإجراءات والاجتهاد والفقه وأصول تقديم البينات والدفوع والاعتراضات والطعون والرد على اللوائح القانونية.
فكم من حق ضاع بسبب خطأ إجرائي وكم من دعوى خسرت رغم عدالتها بسبب ضعف الصياغة القانونية أو الجهل بالمواعيد أو عدم تقديم البينة في وقتها المحدد ولذلك فإن وجود المحامي لا يعد ترفاً وإنما ضرورة لضمان تحقيق العدالة وضمان حسن سير القضاء لأن المحامي المؤهل يستطيع أن يحول الوقائع إلى حجة قانونية متماسكة وأن يميز بين الدفوع الجوهرية والدفوع الشكلية وأن يدرك قيمة كل بينة وأثرها في تكوين قناعة المحكمة.
ومما تجدر الاشارة اليه ان قبول المحامي للوكالة يعني ضمنيا بأن دعوى موكله قد اصبحت أمانة في عنقه ومسؤولية قانونية وأخلاقية ومهنية تفرض عليه أن يبذل أقصى درجات العناية والحرص وأن يدافع عن موكله بكل الوسائل المشروعة فلا يكفي منه أن يبذل عناية الرجل العادي بل يجب أن يبذل عناية الرجل الحريص الخبير المدرك لخطورة المهمة الملقاة على عاتقه لأن نتائج الدعوى قد تمس حرية الإنسان أو ماله أو سمعته أو مستقبله.
ولكي يستطيع المحامي القيام بواجبك على اكمل وجه فلا يجوز ان يكتفي بحفظ النصوص القانونية ومعرفة الاجراءات الشكلية فقط بل يجب أن يكون واسع الثقافة عميق المعرفة مطلعاً على الفقه والاجتهاد والقضاء ومتغيرات المجتمع لأن القانون في تطور مستمر والنزاعات أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً خاصة في ظل التطور الاقتصادي والتكنولوجي والذكاء الاصطناعي والانفتاح العالمي.
كما أن أخلاقيات المهنة تشكل ركناً أساسياً في رسالة المحاماة فالمحامي ليس مجرد ممثل لخصم في الدعوى وإنما هو شريك في تحقيق العدالة لذا ينبغي عليه أن يتحلى بالأمانة والنزاهة والصدق واحترام القضاء والزملاء والموكلين وأن يبتعد عن كل ما يمس شرف المهنة وكرامتها لأن قوة المحامي الحقيقية لا تقاس بقدرته على المراوغة وإنما بقدرته على الدفاع عن الحق ضمن إطار القانون والأخلاق.
وإذا كان القضاء هو ميزان العدالة فإن المحاماة هي اليد التي تحفظ توازن هذا الميزان وعليه فإن احترام المحامي واحترام دوره هو احترام للعدالة ذاتها فالمجتمعات التي تضعف فيها المحاماة تضعف فيها الحريات وتضطرب فيها الحقوق بينما المجتمعات التي تحترم المحامي وتدعم استقلاله هي المجتمعات الأقرب إلى سيادة القانون وتحقيق العدالة وصون الكرامة الإنسانية
.دمتم بخير

