استراتيجية حافة الهاوية.. هل تفرض أم القنابل الاستسلام على إيران أم تعجّل بتآكل النفوذ الأمريكي ؟


مهدي مبارك عبدالله

 

ليست كل قنبلة ضخمة سلاحاً قادراً على حسم الحرب وليست كل قوة تدميرية هائلة طريقاً مضموناً إلى الاستسلام والتاريخ العسكري القديم والحديث حافل بضربات حققت دماراً واسعاً لكنها عجزت عن تحويل التفوق الناري إلى انتصار سياسي واليوم تعود هذه المعادلة إلى الواجهة مع التسريبات المتعلقة بدراسة الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب احتمال استخدام قنبلة ام القنابل ضد أهداف إيرانية في حال استئناف العمليات العسكرية.

تُعرف هذه القنبلة عسكرياً باسم GBU-43/B MOAB ويبلغ وزنها نحو 9.8 أطنان وهي أكبر القنابل التقليدية الأمريكية حجماً والأوسع أثراً في نطاق الانفجار بين الأسلحة التي تنتمي إلى فئتها وقد طُورت عام 2003 وتعتمد على تفجير شحنة ضخمة في الهواء لتوليد موجة انفجارية واسعة تستهدف التجمعات العسكرية والمنشآت المكشوفة والمخابئ التي لا تقع في أعماق صخرية شديدة التحصين وقد دخلت التاريخ العسكري الأمريكي في 13 نيسان 2017 عندما أمر ترامب خلال ولايته الأولى باستخدامها ضد شبكة أنفاق وكهوف لتنظيم داعش في أفغانستان وقد أعلنت السلطات الأفغانية حينها مقتل 36 من مقاتلي التنظيم وتدمير ثلاثة أنفاق لكن هذه الواقعة حتى اليوم لم تثبت قدرة القنبلة على اختراق الجبال وامكانية تدمير المنشآت النووية المدفونة في أعماق الأرض.

لعل المفارقة التي تستحق التوقف عندها ان القنبلة التي تحمل اسماً يوحي بأنها قادرة على إنهاء المعركة بصدمة واحدة ليست مصممة أساساً لاختراق التحصينات الصخرية العميقة وهذه مهمة ترتبط بأسلحة مختلفة من بينها القنبلة الأمريكية GBU-57 المعروفة باسم مخترق الذخائر الضخمة والمصممة لاستهداف المنشآت شديدة التحصين تحت الأرض وقد كشفت تقارير إعلامية في 15 تشرين الأول الجاري عن إعداد الجيش الأمريكي خططاً تتضمن احتمال استخدام أم القنابل ضد منشآت للطاقة ومواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني بما فيها الموقع المعروف باسم جبل الفأس الذي يُعتقد أنه محصن في أعماق صخرية طويلة لكن هذه معظم التقارير تحدثت عن خطط محتملة ولم تؤكد صدور القرار باستخدام القنبلة كما نقلت شكوكاً داخل دوائر التخطيط العسكري بشأن قدرتها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة.

اللافت إن جوهر استراتيجية حافة الهاوية التي يلجأ إليها ترامب تقوم على رفع مستوى التهديد إلى أقصى درجة ممكنة لدفع الخصم إلى الاعتقاد بأن كلفة الرفض أصبحت أكبر من كلفة التراجع ومن هذا المنظور يمكن أن يكون التلويح بهذه القنبلة جزءاً من معركة نفسية وسياسية هدفها إجبار طهران على العودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات في الملف النووي وترتيبات الأمن الإقليمي وقد تراهن واشنطن على أن مشهد الانفجار الهائل وما يحمله من رسائل ردع سيكون كافياً لزعزعة الحسابات الإيرانية حتى من دون ضمان تدمير الأهداف المدفونة في الأعماق.

الحقيقة أن هذا الرهان ينطوي على مشكلة جوهرية تتمثل في الخلط بين إظهار القدرة على التدمير والقدرة على فرض الإرادة السياسية رغم ان إيران ليست تجمعاً عسكرياً في منطقة مفتوحة ولا شبكة أنفاق معزولة يمكن قياس نتائج ضربها بعدد القتلى والمنشآت المدمرة وهي دولة ذات مساحة واسعة وعمق جغرافي ممتد ومؤسسات عسكرية وأمنية متعددة ووسائل ردع متنوعة وقد يؤدي تدمير منشأة أو تعطيل جزء من البنية التحتية إلى إلحاق خسائر مؤلمة في جانب محدد من دون أن يفضي بالضرورة إلى استسلام القيادة الإيرانية أو قبولها بالشروط الأمريكية بل إن الضربات التي تُقدم باعتبارها تمهيداً لنصر حاسم قد تدفع الخصم إلى التشدد إذا اعتقد أن التراجع تحت التهديد سيعرض بقاءه ومكانته لتوقعات أكبر.

المخاطر المحتملة لا تتوقف عند حدود الحسابات الإيرانية وان استهداف منشآت الطاقة قد يفتح الباب أمام ردود عسكرية وتداعيات اقتصادية قد تتجاوز ساحة المواجهة المباشرة حيث يظل مضيق هرمز أحد أبرز مواطن القلق نظراً لأهميته في حركة إمدادات النفط والغاز العالمية. وأي اضطراب واسع في الملاحة أو استهداف للمصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة قد يفرض على واشنطن توسيع عملياتها بدلاً من إنهائها وعندها تتحول الضربة التي أُريد لها أن تكون مخرجاً من مأزق الحرب إلى سبب إضافي لإطالة أمدها ورفع كلفتها البشرية والاقتصادية والسياسية.

الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة ايضا لن تكون بمنأى عن النتائج المحتملة وقد تجد نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة بين الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية والخشية من الانجرار إلى مواجهة تهدد أمنها واقتصاداتها وإذا اتسعت الحرب وتضررت طرق التجارة والطاقة فقد تتزايد التساؤلات بشأن جدوى الاستراتيجيات التي تجعل المنطقة رهينة التصعيد المتبادل وقد يدفع ذلك بعض الأطراف إلى تنويع علاقاتها الدولية والبحث عن ترتيبات أمنية أكثر استقلالاً لكن انتقال النفوذ الأمريكي إلى منافسين دوليين ليس نتيجة تلقائية لأي ضربة بل احتمال يتوقف على حجم التصعيد ومدته وطريقة إدارة واشنطن لمآلاته.

حساسية الموقف وخطورته تزداد حين تدخل الحسابات الداخلية الأمريكية على خط المواجهة فقد أشار تقرير شبكة سي إن إن المنشور في 14 تشرين الأول ونقلته رويترز في اليوم التالي إلى أن الخطط العسكرية الجديدة تأتي في وقت تتعرض فيه الإدارة لضغوط لإنهاء الحرب وسط تساؤلات عن امكانية وجود استراتيجية واضحة تحقق نهاية قابلة للاستمرار كما تحدث التقرير عن خيارات إضافية قد تُطرح قبل انتخابات التجديد النصفي أو بعدها ولا تعني هذه المعلومات أن قرار التصعيد قد اتُخذ لكنها تكشف أهمية العامل السياسي في تحديد توقيت الضربات وأهدافها وطريقة تقديم نتائجها للرأي العام.

لعل أخطر ما في استراتيجية حافة الهاوية الترامبية هو افتراض أن الخصم سيتراجع بالضرورة عندما يواجه تهديداً أكبر وقد تنجح الضغوط في فتح نافذة للتفاوض كما قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة إذا اعتبر الطرف المستهدف أن التراجع سيضعفه ويشجع خصومه على مواصلة الضغط عليه وبين هذين الاحتمالين تقع مسؤولية القرار الأمريكي الذي لا يمكن أن تُقاس نتائجه بحجم الانفجار أو عدد الأهداف التي دُمرت وحدها بل بقدرته على تحقيق غاية سياسية واضحة ومنع تجدد الحرب.

الحقيقة الراسخة إن أم القنابل تستطيع إحداث دمار هائل لكنها لا تحمل في شحنتها وصفة سحرية للاستسلام. وتجربة أفغانستان لا تمنح واشنطن ضمانة لتكرار النتائج نفسها في إيران كما أن امتلاك أسلحة أشد قدرة على اختراق التحصينات لا يحل وحده معضلة إخضاع دولة أو ضمان استقرار المنطقة بعد انتهاء القتال والحرب قد تبدأ بقرار عسكري لكن نهايتها تتوقف على توازنات القوة والإرادة السياسية والقدرة على بناء تسوية قابلة للاستمرار.

ختاما : ترامب لا زال في ورطته يواجه السؤال الأصعب في حساباته الاستراتيجية هل يستخدم التهديد لفتح باب تسوية تنهي المواجهة أم يدفع المنطقة إلى تصعيد قد يصعب التحكم في نتائجه خصوصا وإن القوة التي لا ترتبط بهدف سياسي قابل للتحقيق قد تتحول من أداة لفرض الردع إلى اختبار لمصداقيته وقد يكون الانتصار الحقيقي ليس في إلقاء القنبلة الأضخم بل في امتلاك استراتيجية تمنع الحاجة إلى استخدامها وتضمن أن تكون نهاية الحرب أكثر استقراراً من بدايتها.

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.