اعادة هيكلة الجيش العربي رؤية ملكية استراتيجية تستشرف المستقبل وتواكب التحولات الامنية المتسارعة


مهدي مبارك عبدالله

 

قراءة فيما هو أبعد من الخبر :

منذ تأسيسه لم يكن الجيش العربي الأردني مجرد قوة مسلحة تقليدية بل كان نتاج عقيدة وطنية وسياسية وأمنية تشكلت في قلب الإقليم الأكثر اضطرابًا في العالم وارتكزت على ثلاث ثوابت حماية الدولة واستقرار الداخل والقدرة على التكيّف مع بيئة إقليمية متغيرة دون الانجرار إلى مغامرات عسكرية غير محسوبة كما لم يكن في أي مرحلة من تاريخه جيشًا طارئًا على الدولة أو ملحقًا بالسلطة السياسية بل كان منذ انطلاقته أحد أعمدتها البنيوية وأداة ضبط استراتيجي في إقليم يتغير أسرع مما تستطيع كثير من الدول استيعابه

العقيدة التي صاغها الهاشميون منذ نشأة الإمارة جعلت من الجيش العربي جيشًا دفاعيًا محترفًا عالي الانضباط ومنخفض الضجيج ومرتفع التأثير لكنه اليوم كما كل جيوش العالم يقف أمام لحظة فاصلة وضرورية للانتقال من جيش تقليدي مُحسن إلى جيش مُعاد التشكيل بنيوي ومن هنا تأتي دعوة جلالة الملك عبد الله الثاني لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية لا كإجراء إداري بل كـتحول استراتيجي عميق في فلسفة القوة العسكرية للدولة بعيدا عن أوهام التفوق العددي والخطاب الشعبوي عن الجيوش العقائدية بالاعتماد على فهم عميق لحدود القوة ولخطورة الجغرافيا السياسية ولحقيقة أن بقاء الدولة في هذا الإقليم لا تحسمه المعارك الكبرى بقدر ما تحسمه القدرة على تجنبها أو احتوائها في مهدها وهذا الوعي هو ما ميّز الجيش الأردني تاريخيًا عن جيوش إقليمية تورطت في صراعات استنزاف طويلة دفعت فيها أثمانًا سياسية واقتصادية وبشرية أنهكت الدولة نفسها

الحقيقة ان كل هذا التميّز التاريخي للقوات المسلحة الأردنية لا يعفي من مواجهة الحقيقة القاسية بان العقائد التي لا تتجدد تتحول إلى عبء والجيوش التي لا تعيد هيكلة نفسها تصبح أسرى نجاحاتها السابقة من هنا فإن الدعوة الملكية لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية تمثل إعلانًا سياسيًا غير مباشر عن نهاية مرحلة وبداية أخرى وعن إدراك رسمي بأن بيئة التهديد المحيطة بالأردن لم تعد تُدار بذات الأدوات التي نجحت في العقود الماضية والتهديد لم يعد جيشًا نظاميًا على الحدود فقط بل منظومة مركبة من فواعل غير دولية وتكنولوجيا منخفضة الكلفة عالية التأثير وحروب ظل تُدار دون إعلان وتوازنات إقليمية هشة قد تنهار فجأة

إعادة الهيكلة في هذا السياق ليست ترفًا تنظيميًا بل ضرورة وجودية وهي تعني بالمعنى الأكاديمي الدقيق إعادة تعريف الوظيفة العسكرية للدولة أي الانتقال من جيش يُصمم على أساس سيناريوهات الحرب التقليدية إلى جيش يُبنى على أساس إدارة الصراع طويل الأمد وحماية مراكز الثقل ومنع الانزلاق إلى حروب لا يمكن حسمها وهذا التحول يضع الأردن في مسار مشابه لمسارات دول نجحت في إعادة صياغة جيوشها بعد صدمات استراتيجية كبرى مثل التجربة البريطانية بعد حرب الفوكلاند أو التجربة الألمانية بعد الحرب الباردة أو التجربة الإسرائيلية بعد حرب تموز 2006 حيث أدركت هذه الجيوش أن الحجم لا يعوّض الخلل البنيوي وأن التكنولوجيا لا تنقذ عقيدة فاشلة

في التجربة البريطانية مثلا لم يكن تقليص الجيش بعد الحرب الباردة دليل ضعف بل نتيجة مراجعة استراتيجية أدت إلى بناء قوة أصغر وأكثر احترافًا وقابلية للانتشار وقادرة على العمل ضمن تحالفات معقدة وبكفاءة عالية وفي ألمانيا تحولت البوندسفير من جيش تعبئة جماهيرية إلى قوة نوعية تركز على القيادة والسيطرة والجاهزية التقنية والعمل المشترك متعدد الجنسيات أما في الحالة الإسرائيلية فقد أظهرت حرب 2006 أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يكفي دون إعادة هيكلة عميقة للقوات البرية والعقيدة العملياتية ما دفع لاحقًا إلى مراجعات جذرية في التدريب والقيادة والاحتياط

هذه النماذج لا تُستحضر هنا للمقارنة الشكلية بل لتوضيح أن الجيوش التي نجت وتطورت هي تلك التي امتلكت الشجاعة السياسية للاعتراف بحدود قوتها وأعادت تعريف نفسها قبل أن تُفرض عليها الهزيمة بإعادة تعريف قسرية في المقابل فإن كثيرًا من الجيوش الإقليمية العربية بقيت أسيرة نماذج قديمة محتفظة بتشكيلات ضخمة وهياكل ثقيلة وعقائد قتالية لم تعد صالحة مع تطورات الزمن حيث تحولت إلى عبء على الدولة بدل أن تكون أداة حماية لها أو إلى فاعل داخلي في السياسة بدل أن تبقى مؤسسة وطنية مهنية

تركيز الهيكلة الأردنية في هذا السياق على بناء قوات رشيقة ومرنة ونوعية يعتبر قطيعة واعية مع منطق الجيش الضخم الذي أثبت فشله في أكثر من ساحة عربية خاصة وان التجربة الإقليمية أثبتت أن الجيوش الكبيرة عندما تفتقر إلى القيادة المرنة والتكنولوجيا والجاهزية تتحول تدريجيا إلى أهداف سهلة في الحروب الهجينة وتصبح عاجزة عن حماية الدولة أو حتى نفسها والجيش الرشيق بالمقابل يبقى قادر على المناورة وإعادة التموضع وإدارة المعركة بدل الانجرار إليها وهو ما يتناسب مع موقع الأردن ودوره ووظيفته الإقليمية

التحول نحو حماية مراكز الثقل الاستراتيجية يعكس أيضًا قراءة نقدية لتجارب دول فقدت السيطرة على قرارها السياسي دون أن تُحتل عسكريًا فالدول لا تسقط اليوم فقط باجتياح الجيوش بل بتعطيل أنظمتها وشل بنيتها التحتية واختراق فضائها السيبراني وضرب ثقة مواطنيها بدولتهم ومن هنا فإن بناء منظومة قيادة وسيطرة واتصالات آمنة ليس مسألة تقنية بل سيادة والدولة التي لا تحمي مراكز ثقلها تصبح مكشوفة مهما بلغ عدد جنودها

من حيث توقيت هذا القرار فهو بحد ذاته رسالة سياسية استراتيجية لا تقل أهمية عن مضمون القرار بان الأردن يتحرك في لحظة إقليمية بالغة الحساسية تتأكل فيها مفاهيم الردع التقليدي وتتراجع فيها قدرة الجيوش الكلاسيكية على حسم الصراعات بينما تتقدم أنماط جديدة من الحروب الهجينة التي تمزج بين القوة العسكرية المحدودة والتكنولوجيا الحديثة والحرب السيبرانية وحروب الوكالة والضغط الاقتصادي والتأثير النفسي والإعلامي في ظل محيط إقليمي يعاني من تفكك بعض الدول وتضاءل سيادة أخرى وصعود فواعل غير دولية مسلحة ولهذا فإن الانتظار كان سيعني دفع كلفة أعلى في المستقبل ولهذا جاء القرار الملكي استباقيًا لا كرد فعل وهو ما يميزه عن كثير من قرارات الإصلاح العسكري في المنطقة

أما عن إعادة تعريف دور قوات الاحتياط فهي تمثل درسًا مستخلصًا من تجارب دول نجحت في تحقيق التوازن بين الأمن والاقتصاد فالاحتياط الفاعل كما في النماذج الاسكندنافية أو السويسرية أو حتى الإسرائيلية وليس قوة هامشية بل جزء من العمق الاستراتيجي للدولة وفي الحالة الأردنية فإن تطوير الاحتياط يفتح المجال لتقليص الأعباء المالية للجيش الدائم دون المساس بالقدرة على التعبئة السريعة ويمنح الدولة مرونة استراتيجية في إدارة الأزمات الممتدة ويسمح للدولة بالحفاظ على جيش دائم أكثر رشاقة مع القدرة على التوسع السريع عند الحاجة وتحقيق توازن دقيق بين الجاهزية العسكرية والاستدامة الاقتصادية وهو أمر بالغ الحساسية في دولة محدودة الموارد كالأردن

ان إدراج الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة في صلب الهيكلة الجديدة يعكس وعيًا بأن الحروب القادمة لن تُخاض على الأرض فقط بل في الشبكات والخوارزميات والبيانات وكثير من الجيوش الإقليمية ما زالت تنظر إلى هذه المجالات بوصفها كماليات أو إضافات تقنية بينما الحقيقة أنها أصبحت ساحات قتال قائمة بذاتها والدولة التي لا تبني قدراتها السيبرانية الدفاعية والهجومية اليوم ستجد نفسها غدًا عاجزة عن حماية قرارها السياسي أو اقتصادها أو حتى تماسكها الاجتماعي

في البعد الصناعي فإن التركيز على تطوير الصناعات الدفاعية المحلية ليس مجرد طموح اقتصادي بل ضرورة استراتيجية أثبتتها التجارب الدولية والدول التي تعتمد كليًا على استيراد السلاح تظل رهينة للقرار السياسي للدول المصدّرة وتفقد هامش المناورة في الأزمات وان بناء قاعدة صناعية دفاعية حتى وإن كانت محدودة في بدايتها يخلق استقلالية نسبية ويحول الجيش من مستهلك إلى شريك في إنتاج القوة وهو ما ينعكس إيجابًا على الأمن والاقتصاد معًا

أما على مستوى التحالفات فإن إعادة الهيكلة لا تعني انسحاب الأردن من محيطه الدولي بل إعادة تموضعه داخله والجيش المعاد هيكلته سيكون أكثر قابلية للعمل المشترك وأكثر قدرة على تقديم قيمة مضافة في أي إطار تحالفي بدل أن يكون مجرد متلقٍ للدعم وهذا يعزز من وزن الأردن السياسي ويمنحه قدرة أكبر على حماية مصالحه دون الارتهان الكامل لأي طرف

خارطة السنوات الثلاث القادمة كما يمكن قراءتها استشرافيًا بانها تشير إلى مسار متدرج يبدأ بإعادة تعريف الهياكل والعقائد ويمر بدمج التكنولوجيا وإعادة تدريب الوحدات واختبار منظومات القيادة والسيطرة وصولًا إلى جيش يمتلك جاهزية كاملة وقادر على الردع والاحتواء وحماية الدولة بأدوات القرن الحادي والعشرين وهذه ليست عملية سريعة ولا سهلة لكنها عملية ضرورية في عالم لم يعد ينتظر المترددين

قرار إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية لا يمكن قراءته كإصلاح عسكري تقني بل كجزء من مشروع دولة تسعى إلى تحصين نفسها في إقليم يعاقب التردد ويكافئ الاستباق وهو قرار حكيم يضع الأردن في مسار مختلف عن مسارات الانهيار أو العسكرة الشعبوية التي سلكتها دول أخرى ويؤسس لجيش لا يُبنى على أوهام القوة بل على إدارتها بعقل بارد وحسابات دقيقة في عالم تتآكل فيه الجيوش الثقيلة وتنهض فيه القوى الذكية

الخلاصة : اليوم يختار الأردن برؤية ملكية استراتيجية شاملة تستشرف المستقبل وتواكب التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات والتحديات الأمنية أن يكون في صف الدول التي تعلّمت من تجارب غيرها قبل أن تدفع ثمن الخطأ وهو ما يمنح هذا القرار بعدًا إقليميًا ودوليًا يتجاوز حدود الإصلاح العسكري ليصل إلى جوهر الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بما يعزز من مكانة الأردن كدولة تعرف ماذا تريد ومتى تتحرك وكيف توظف قوتها بعقل واع وحسابات دقيقة في إقليم تتهاوى فيه جيوش كبيرة تحت ثقل أعدادها وعقائدها القديمة يعلن الاردن بداية التحول النوعي الذي قد يكون من الأكثر تأثيرًا في معادلات الأمن الإقليمي خلال السنوات القادمة

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.