الأحزاب السياسية بين مشروعية القرار وانحراف الغاية:


محامي محمد صدقي الغرايبة

في الحياة السياسية الحديثة تُعدّ الأحزاب ركيزة أساسية في بناء النظام الديمقراطي، إذ تشكل الإطار الذي تُصاغ فيه البرامج وتُقدَّم من خلاله القوائم الانتخابية للناخبين. غير أن الإشكالية تظهر حين تتحول بعض الأدوات التنظيمية المشروعة داخل الحزب، كإجراء الفصل أو التجميد، إلى وسيلة لإعادة ترتيب النتائج السياسية بعد صدورها، أو لإقصاء شخصيات منتخبة تمهيداً لإحلال غيرها مكانها. هنا يثور التساؤل حول الحدود الفاصلة بين السلطة التنظيمية المشروعة والانحراف في استعمالها.

الأصل أن النائب المنتخب، في الأنظمة الدستورية، يمثل الأمة جمعاء لا الحزب الذي رشحه، حتى وإن وصل إلى البرلمان عبر قائمة حزبية. فالمقعد النيابي هو ثمرة إرادة الناخبين، والحزب ليس سوى وعاء سياسي عبّر من خلاله الناخب عن خياره. لذلك فإن أي إجراء حزبي يمس بالمركز النيابي بصورة مباشرة أو غير مباشرة يجب أن يُقاس بميزان المشروعية، لا بميزان المصلحة التنظيمية الضيقة.

الفصل الحزبي بحد ذاته ليس إجراءً غير مشروع؛ بل هو حق تنظيمي تكفله الأنظمة الداخلية للأحزاب لضبط السلوك والانضباط. غير أن مشروعيته مرهونة بتوافر شروط أساسية: وجود نص واضح يجيزه، قيام سبب حقيقي وجدي، احترام ضمانات الدفاع وسماع الأقوال، وارتباط القرار بغاية تنظيمية مشروعة. أما إذا استُخدم هذا الإجراء لتحقيق هدف مستتر يتمثل في إقصاء منتخب أو إعادة هندسة ترتيب داخل قائمة انتخابية، فإن القرار يكون معرضاً لوصف قانوني خطير هو الانحراف بالسلطة، أي استعمال الصلاحية لتحقيق غاية غير التي منحها القانون من أجلها.

في علم السياسة، تُفهم مثل هذه الممارسات — إن ثبتت — بوصفها شكلاً من أشكال الصراع على الموارد السياسية النادرة داخل الحزب، وعلى رأسها المقعد البرلماني. غير أن التنافس المشروع داخل الأطر المؤسسية يختلف جذرياً عن توظيف الإجراءات التنظيمية لتصفية حسابات أو لإعادة توزيع المواقع. الأول يعكس حيوية ديمقراطية، والثاني يكشف أزمة في الحوكمة الداخلية وثقافة إدارة الخلاف.

وعندما يُعرض نزاع من هذا النوع على القضاء الإداري، فإن المحكمة لا تتدخل في تقدير المواقف السياسية، بل في فحص مشروعية القرار من حيث الاختصاص والإجراءات والسبب والغاية. فإذا تبين أن القرار اتُّخذ بغطاء شكلي يخفي هدفاً غير مشروع، أمكن الطعن فيه وإلغاؤه حمايةً لاستقرار المراكز القانونية وصوناً لإرادة الناخبين. أما إذا ثبتت المخالفة التنظيمية واتُّخذ القرار وفق الأصول، فإن مجرد ترتب أثر سياسي عليه لا يكفي لإهداره.

إن قوة الأحزاب لا تُقاس بعدد مقاعدها فقط، بل بمدى احترامها لمبادئ العدالة الداخلية وحسن النية في استعمال الصلاحيات. فالديمقراطية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع وتنتهي عند إعلان النتائج، بل تمتد إلى كيفية إدارة الخلاف داخل الأحزاب ذاتها. وبين النصوص التنظيمية وروحها يكمن معيار النزاهة؛ فالمعيار الحقيقي ليس من يشغل المقعد، بل ما إذا كان الطريق إليه قد احترم القانون وأخلاقيات العمل السياسي وإرادة الناخبين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.