الأردن.. منعة الدولة ورسوخ الموقف


المحامي جمال الخطاطبة

 

في إقليمٍ تتلاطم فيه الأزمات، وتتوالى فيه الصراعات والتحولات، يثبت الأردن قدرته على صون أمنه واستقراره، والمحافظة على تماسك جبهته الداخلية، متسلحًا بوعي شعبه، ورسوخ مؤسساته، وحكمة قيادته الهاشمية. فقد استطاعت المملكة، رغم ما يحيط بها من أجواء إقليمية عاصفة، أن تحافظ على نهجها المتزن، وأن تجعل من الاستقرار ركيزةً لمواصلة البناء والتنمية، ومن الاعتدال سبيلًا للتعامل مع المتغيرات.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في ترسيخ أمن الأردن وصون مصالحه الوطنية، والدفاع عن مواقفه الثابتة تجاه القضايا العربية والإسلامية. وقد اتسم النهج الأردني في عهده بالحصافة والاتزان، والتمسك بالحقوق المشروعة، واحترام القانون الدولي، والحرص على أن يبقى الأردن طرفًا فاعلًا في إرساء الأمن والسلام، لا ساحةً للصراعات والتجاذبات.

وتبقى القضية الفلسطينية في صدارة الثوابت الأردنية، إذ يواصل الأردن دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية. كما يضطلع الأردن بدوره التاريخي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، في إطار الوصاية الهاشمية، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للمدينة ومقدساتها.

وفي الضفة الغربية، يواصل الأردن تنبيه المجتمع الدولي إلى خطورة ما تشهده الأرض الفلسطينية من توسع استيطاني، وتهجير، وعنف، ومصادرة للأراضي، وإجراءات ممنهجة تهدد مقومات الدولة الفلسطينية وتقوّض فرص السلام ويواصل تذكير العالم بالمأساة الإنسانية والجرائم التي أرتكبها و يرتكبها الاحتلال بحق اهلنا في قطاع غزة مؤكدا على رفضه المطلق لسياسة التهجير التي يحاول الاحتلال ممارستها.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الأردن أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال، وصون الحقوق الفلسطينية، وإقامة سلام عادل وشامل يستند إلى القانون الدولي.

وقد أسهم ثبات الموقف الأردني واتزانه في ترسيخ حضوره على الساحة الدولية بوصفه دولةً تتمسك بالحوار، وتؤمن بالحلول السياسية، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر وإسناد الجهود الرامية إلى إحلال السلام في الشرق الأوسط. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل الحاجة إلى صوتٍ عقلاني يوازن بين الواقعية السياسية والثوابت، وبين مقتضيات الأمن وضرورات العدالة.

وفي الداخل، يظل الوعي الشعبي والتلاحم الوطني من أهم دعائم قوة الأردن. فقد أثبت الأردنيون في مختلف المنعطفات أن تماسك المجتمع والتفافه حول الدولة والقيادة الهاشمية يشكلان حصنًا منيعًا في مواجهة الأزمات. كما برهنت المملكة على قدرتها على التعامل مع المحن والأزمات بالصبر والأناة، والحكمة والحزم، بعيدًا عن الانفعال أو الارتجال، مع إبقاء المصلحة الوطنية العليا بوصلتها الأولى.

ومن هنا، يبدو مستقبل الأردن واعدًا بقدرته على مواصلة ترسيخ أمنه واستقراره، وتعزيز اقتصاده ومؤسساته، وتوسيع حضوره الدبلوماسي، مستندًا إلى الثقة التي يحظى بها كشريك ملتزم بالسلام والقانون الدولي. فالأردن، بما يمتلكه من إرث سياسي، وتماسك اجتماعي، وقيادة حكيمة، قادر على مواصلة عبور المنعطفات بثبات، والإسهام في صناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للمنطقة.

إن قوة الأردن لا تكمن في غياب التحديات، بل في قدرته على مواجهتها بعقلٍ راجح وإرادةٍ صلبة؛ وفي قدرته على الجمع بين ثبات الموقف ومرونة الحركة، وبين حماية أمنه الوطني والاضطلاع بمسؤولياته العربية والإسلامية. وبذلك يواصل الأردن مسيرته دولةً آمنةً، معتدلةً، واثقةً بمستقبلها، ومتمسكةً بدورها في خدمة السلام والاستقرار والعدالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.