الانسحاب الأمريكي من العراق .. بعد إخلاء قاعدة أربيل سقط الحصن الأخير .. هل تبدأ معركة الفراغ الأخطر ؟


مهدي مبارك عبدالله

 

لم يكن خروج آخر الجنود الأمريكيين من قاعدة أربيل مجرد نهاية لمهمة عسكرية أو إخلاء لقاعدة من القواعد بل كان المشهد إيذاناً بإغلاق فصل كامل من الوجود العسكري الأمريكي في العراق بعد أكثر من عقدين على الغزو الذي أسقط الدولة العراقية وفتح أبواب المنطقة أمام واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً ففي 30 أيلول الماضي اكتملت مغادرة اخر القوات والمعدات الأمريكية من قاعدة أربيل وانتهت مهمة التحالف الدولي في العراق وفق الاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن لتبدأ مرحلة يفترض أن يتحمل فيها العراق وحده المسؤولية الكاملة عن أمنه.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس لماذا خرجت أمريكا من العراق فقد اتخذ القرار منذ سنوات وإنما ماذا سيحدث بعد الخروج وهل يملك العراق فعلاً القدرة على إدارة أمنه بعيداً عن المظلة الأمريكية أم أن واشنطن أغلقت أبواب القواعد وفتحت أبواباً أخرى للنفوذ والتأثير من خارج الحدود.

المفارقة الكبرى ان الولايات المتحدة تغادر قواعدها العراقية لكنها لا تغادر المنطقة ولا تقطع صلتها بالعراق فقد انتقلت قيادة مهمة التحالف إلى الأردن فيما يستمر التعاون الأمني والتدريب وتبادل المعلومات كما يبقى للقوات الأمريكية وجود إقليمي يسمح لها بالتحرك عند الضرورة وهذا يعني أن نهاية الوجود العسكري المباشر لا تعني بالضرورة نهاية النفوذ الأمريكي بل تعني انتقاله إلى صيغة أقل كلفة وأكثر مرونة.

العراق يقف اليوم أمام امتحان لا يمكن تأجيله ولا تغطيته بالشعارات فالسيادة ليست مجرد خروج جندي أجنبي من قاعدة والسيادة لا تكتمل إذا بقي السلاح موزعاً بين الدولة والقوى المسلحة وإذا ظل القرار الأمني عرضة لتوازنات الداخل وضغوط الخارج ولهذا فإن أخطر سؤال بعد إخلاء أربيل ليس من انتصر في معركة الانسحاب وإنما هل تستطيع الدولة العراقية أن تكون صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم والسلاح والأمن في الحاضر والمستقبل .

التاريخ القريب لا يسمح للعراقيين بالتعامل مع المسألة باستخفاف فقد خرجت القوات الأمريكية من العراق عام 2011 ثم عادت بعد ثلاث سنوات عندما انهارت مناطق واسعة أمام تنظيم داعش بعدما سقطت الموصل ولا يعني ذلك أن السيناريو سيتكرر بصورة آلية اليوم خاصة وان القوات العراقية تطورت كثيراً منذ تلك المرحلة لكن بقاء خلايا داعش ووجود جماعات مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة يجعلان التحذير من الفراغ الأمني مسألة واقعية وليست مجرد تخويف سياسي.

في كردستان تبدو الصورة أكثر حساسية فقاعدة أربيل كانت آخر موطئ قدم عسكري أمريكي في العراق ولذلك فإن إخلاءها يحمل بالنسبة إلى القيادة الكردية دلالة تتجاوز البعد العسكري وقد عبّر مسؤولون أكراد عن مخاوف من أن يؤدي غياب الدعم الأمريكي إلى زيادة تعرض الإقليم للضغوط والتهديدات في منطقة شهدت خلال الأشهر الماضية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة. كما أن غياب منظومات الدفاع الجوي الأمريكية يترك سؤال حماية الإقليم مفتوحاً في مرحلة شديدة التعقيد.

لعل الخطأ الأكبر سيكون في الاعتقاد أن خروج أمريكا يعني تلقائياً دخول إيران أو أن العراق انتقل من مظلة إلى مظلة أخرى بين ليلة وضحاها فالعراق ليس أرضاً فارغة تنتظر من يحتل موقعاً تركه الأمريكيون بل هو ساحة تتصارع فيها مصالح عراقية وإقليمية ودولية متعددة وكلما ضعفت الدولة زادت قدرة الآخرين على ملء الفراغ وكلما احتفظت الدولة بقرارها وسلاحها أمكنها تحويل الانسحاب الأمريكي من مصدر خوف إلى فرصة حقيقية لاستعادة القرار الوطني.

المسؤولية الوطنية الكاملة تقع أولاً على الطبقة السياسية العراقية التي أمضت عقدين وهي تتحدث عن بناء الدولة ثم عجزت عن إنهاء الانقسام السياسي وعن حسم قضية السلاح وعن بناء منظومة أمنية مستقلة قادرة على حماية البلاد من الإرهاب ومن التدخلات الخارجية فلا معنى لرفع شعار السيادة إذا كانت الدولة نفسها عاجزة عن فرض سيادتها على أرضها ولا معنى للاحتفال بخروج القوات الأجنبية إذا كان العراقيون سيعودون بعد ذلك إلى صراعهم القديم حول من يملك القرار ومن يملك السلاح ومن يملك حق استخدام القوة.

أما بالنسبة لواشنطن فهي لم تغادر العراق حباً بالسيادة العراقية ولا كرماً للعراقيين وإنما لأنها أعادت حساباتها وحددت أن استمرار الانتشار العسكري المباشر لم يعد يحقق لها ما يكفي من المكاسب مقابل كلفته ومخاطره ولهذا فإن قراءة الانسحاب باعتباره هزيمة أمريكية كاملة ستكون ساذجة كما أن اعتباره انتصاراً عراقياً نهائياً سيكون أكثر سذاجة لان أمريكا تغادر القاعدة لكنها تحتفظ بأدوات أخرى للضغط والتأثير وتعيد تموضعها الإقليمي بدلاً من التخلي عن المنطقة.

الاختبار العراقي الحقيقي يبدأ الآن فإما أن يتحول الانسحاب الأمريكي إلى لحظة تأسيس لدولة عراقية أكثر استقلالاً قادرة على حماية حدودها وقرارها وسلاحها وإما أن يصبح بداية صراع جديد على الفراغ الذي تركته القوة الأمريكية وإذا فشلت بغداد في ملء هذا الفراغ بقوة الدولة وهيبة القانون وعمل المؤسسات فإن الآخرين سيملؤونه بالضرورة بمشاريعهم وأسلحتهم وحساباتهم الخاصة وهنا الخوف الاكبر.

عمليا أمريكا غادرت العراق عسكرياً لكن المعركة الحقيقية لم تغادره وإنها تبدأ الآن داخل العراق نفسه في مواجهة السلاح وفرض القرار الوطني في مواجهة النفوذ و بناء عراق لا يحتاج إلى قوة أجنبية كي تحميه ولا إلى قوة إقليمية كي تقرر عنه وهنا فقط يمكن أن يصبح إخلاء قاعدة أربيل نهاية لمرحلة أمريكية لا بداية لمرحلة جديدة من الفوضى.

لقد دفعت بغداد ثمناً باهظاً حين سمحت طوال عقدين بأن يكون أمنها معلقاً بين الخارج والداخل وأن تتعدد مراكز القوة فوق أرضها واليوم لا توجد مظلة أمريكية يمكن الاحتماء بها ولا جهة أجنبية يمكن تحميلها مسؤولية الفشل والعراق بات أمام نفسه للمرة الأولى بلا ستار وإذا امتلكت الدولة شجاعتها السياسية ووحدت مؤسساتها وحسمت قضية السلاح فالانسحاب الأمريكي يمكن أن يتحول من خطر إلى فرصة أما إذا بقيت الفصائل تتقاسم القرار وترفض الانصياع لأوامر الدولة وبقيت القوى الخارجية تتقاسم النفوذ فإن قاعدة الحرير التي أُغلقت اليوم قد تفتح خلفها أبواباً أخطر بكثير مما مضى ,

ختاما : إن التاريخ لا يحمي المغفلين الذين يستجدون أمنهم وحدودهم من وراء البحار وأن الهيبة لا تُستعار من بوارج المحتل وأن الرهان على بقاء القوات الأجنبية لحماية الأنظمة والأقاليم هو رهان خاسر وأن القوة الذاتية والوحدة الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية هي الحصون الوحيدة التي تحمي الأوطان من الانهيار والزوال وأن الانسحاب الأمريكي اليوم من العراق وإخلاء حصن أربيل هو جرس إنذار أخير يدعو الجميع للاستفاقة الفورية من أوهام المظلات الأمنية المستعارة وبناء عناصر الردع الذاتي دون مواربة أو تأخير.

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.