التكريم… حين يصبح التلميع ستارًا

امجد فاضل فريحات
ليس كل تكريمٍ وفاء، وليس كل تصفيقٍ تقديرًا، وليس كل ابتسامةٍ في صورةٍ جماعية تعكس حقيقة ما كانت عليه الأيام.
فالتكريم في أصله خُلُقٌ رفيع، وعنوانٌ للوفاء، واعترافٌ بفضل من أمضى سنوات أو أعوامًا في خدمة العمل، وشارك زملاءه تفاصيله، وتحمل أعباءه، وكان حاضرًا في الميدان يوم كانت المسؤولية ثقيلة، لا يوم أصبحت المناسبة خفيفة.
لكن المؤسف أن بعض عمليات التكريم خرجت عن معناها الحقيقي، وأصبحت في بعض الأحيان مسرحًا لتلميع المُكرِّم أكثر من تكريم المُكرَّم!
يُستدعى من غادر، وتُقال فيه أجمل عبارات الثناء، وتُذكر مناقبه، ويُشاد بعطائه، وتُلتقط الصور، وتُوزع الابتسامات، وكأن الجميع كانوا طوال المرحلة السابقة يعيشون في وئامٍ كامل، وكأن الخلافات والقرارات والمواقف الصعبة لم تكن موجودة أصلًا!
وهنا يحق لنا أن نسأل:
إذا كان هذا الإنسان بهذه العظمة، وهذا القدر من الكفاءة والإخلاص والعطاء… فلماذا لم نُظهر له كل هذا التقدير وهو بين أيدينا؟
لماذا نعرف قيمة الإنسان عندما يغادر؟
لماذا تصبح كرامته أغلى بعد انتهاء علاقته بالعمل؟
ولماذا تتدفق عبارات الوفاء عندما يصبح الإنصاف بلا فائدة؟
إن بعض التكريمات لا تحتاج إلى كثير من التحليل؛ فصورتها تقول شيئًا، وتفاصيلها تقول شيئًا آخر، وما بينهما مسافةٌ كبيرة اسمها الواقع.
فقد يكون التكريم أحيانًا محاولةً لإعادة تجميل مرحلةٍ لم تكن جميلة، أو لإظهار إدارةٍ لم تكن كما يُراد لها أن تظهر، أو لإيصال رسالةٍ للآخرين مفادها: نحن أهل الوفاء، ونحن أهل المحبة، ونحن لا ننسى أصحاب الفضل.
لكن الوفاء لا يُقاس بما يحدث بعد الرحيل، وإنما بما كان يحدث قبل الرحيل.
فمن أراد أن يكرّم إنسانًا حقًا، فليكرّمه وهو يعمل.
وليحفظ مكانته وهو حاضر.
ولينصفه عندما يكون القرار بيده.
وليمنحه حقه دون أن ينتظر نهاية خدمته.
وليقل له كلمة “شكرًا” وهو يسمعها، لا أن يقولها أمام الآخرين بعد أن يصبح خارج المشهد.
أما أن تُبخس حقوق الناس وهم يعملون، ثم تُرفع لهم الدروع عند المغادرة، فذلك ليس بالضرورة وفاءً؛ فقد يكون أحيانًا مجرد محاولة متأخرة لتغطية ما لا تغطيه الصور.
والأكثر غرابة أن يتحول بعض التكريم إلى ما يشبه حفل تأبين إداري للأحياء؛ كلمات رنانة، وثناء مبالغ فيه، وعبارات عن الأخوة التي لم تكن ظاهرة إلا في آخر المشهد!
ولا نقول إن كل تكريمٍ كذلك؛ فهناك رجالٌ ونساءٌ يكرّمون الناس لأنهم أصحاب مروءة، ويحفظون الجميل لأنهم أصحاب أصل، ويودعون زملاءهم بقلوبٍ صادقة لا تنتظر تصفيقًا ولا تبحث عن صورة.
وهؤلاء لا يحتاجون إلى إثبات شيء لأحد؛ لأن سيرتهم تسبق حفلاتهم، ومواقفهم تسبق كلماتهم.
أما من يجعل من تكريم الآخرين منصةً لتقديم نفسه بصورة المثالي، فليعلم أن الناس ليست ساذجة إلى هذا الحد؛ قد تصفق للمشهد، لكنها لا تنسى المواقف.
فالناس تتذكر من وقف معها عندما كانت الحاجة إلى الموقف، لا من وقف بجانبها أمام عدسة الكاميرا.
وتتذكر من أنصفها عندما كان قادرًا على ظلمها، لا من أثنى عليها بعدما أصبح الإنصاف بلا ثمن.
وتتذكر الكلمة التي قيلت في الخفاء، والموقف الذي حدث بعيدًا عن الأعين، أكثر مما تتذكر الدرع الذي سُلّم على منصةٍ أمام الحاضرين.
فالإنسان لا يُكرَّم بدرعٍ يُعلّق على جدار، وإنما بموقفٍ يحفظ كرامته.
ولا تُقاس الأخلاق بعدد حفلات التكريم، بل بعدد المرات التي استطاع فيها المسؤول أن يكون عادلًا وهو يملك سلطة القرار.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى حفلٍ ولا منصة:
إنما الأعمال بالنيات.
فإن كانت النية وفاءً، فهنيئًا لصاحبها، وإن كانت النية تلميعًا، فلن تغير كثرة الصور حقيقة المواقف.
وما أجمل أن نُكرّم الناس وهم بيننا، وننصفهم وهم يعملون، ونحفظ فضلهم وهم حاضرون؛ لأن التكريم بعد الرحيل جميل، لكن الإنصاف أثناء المسيرة هو التكريم الحقيقي.
أما أن نصنع للراحل عن العمل احتفالًا عظيمًا، ثم نترك خلفه عشرات الأسئلة التي لا تجد إجابة، فهنا لا يعود السؤال: لماذا كُرِّم؟
بل يصبح السؤال:
مَن الذي كان التكريم من أجله فعلًا… المُكرَّم، أم المُكرِّم؟

