السدود بين التخطيط الاستراتيجي وتبرير الإخفاق


محامي محمد صدقي الغرايبة

في الدول التي تُدار مواردها المائية بطريقة استراتيجية لا تُبنى السدود بوصفها مشاريع إسمنتية عابرة، بل باعتبارها قرارات سيادية تمسّ جوهر الأمن الوطني. فالسد ليس جداراً يحجز الماء فحسب، وإنما نتاج سلسلة معقدة من الدراسات العلمية الدقيقة التي تبدأ من فهم الحوض المائي المغذي، وطبيعة الجريان السطحي، والخصائص الجيولوجية، ولا تنتهي عند توقعات التغير المناخي لعقود قادمة. وأي خلل في هذه المرحلة التأسيسية لا يمكن إصلاحه لاحقاً مهما تضخمت الميزانيات أو تكاثرت التبريرات.

الأصل الذي لا يقبل النقاش هو أن موقع السد يُختار بعناية صارمة، وعلى أساس دراسات جدوى حقيقية لا شكلية، وأن تُحتسب منذ البداية جميع السيناريوهات المحتملة، بما فيها أسوأها. وعليه، فإن الحديث اللاحق عن اعتداءات، أو فاقد مائي، أو تعديات بشرية، لا يعدو كونه محاولة لتغطية إخفاقات كان يجب توقعها ومعالجتها قبل أن يُتخذ قرار البناء.

الدولة التي تمتلك القدرة على تشييد السد، تمتلك بالضرورة القدرة على حمايته وتنظيم محيطه وضبط استخدامه، ولا يجوز أن يتحول المواطن إلى شماعة يُعلّق عليها الفشل المؤسسي.

أما الفاقد المائي، سواء كان بالتبخر أو بالتسرب أو بالعوامل الجيولوجية، فهو عنصر معروف ومحسوب في علم إدارة الموارد المائية، ويُقدّر بالأرقام قبل وضع حجر الأساس لا بعد امتلاء السد أو جفافه. ومن يدّعي المفاجأة بالفاقد بعد التنفيذ، إنما يقرّ ضمنياً بأن الدراسات كانت ناقصة، أو أن نتائجها أُهملت، أو أن القرار اتُخذ لأسباب لا علاقة لها بالعلم ولا بالمصلحة العامة.

الأخطر من ذلك كله هو تسويق الخطأ البشري على أنه قدر لا يُرد، وكأن التخطيط الاستراتيجي عمل ترفي يمكن تجاوزه. في المنهج العلمي، كل سبب يعود إلى العامل البشري سبب مرفوض، لأنه كان قابلاً للتوقع والمعالجة.

السدود لا تُبنى على افتراض حسن النوايا، ولا تُدار الموارد العامة على أمل أن يسير الواقع بعكس طبيعته. التخطيط الرشيد يفترض الخلل قبل وقوعه، ويضع أدوات المنع والمعالجة، لا أن يبني ثم يشتكي.

السبب الوحيد الذي يمكن قبوله هو ما يخرج كلياً عن نطاق الحسابات البشرية، من كوارث طبيعية استثنائية أو ظروف ربانية لم تشهدها السجلات التاريخية ولم تتنبأ بها النماذج العلمية. وما عدا ذلك، ليس قضاءً ولا قدراً، بل نتيجة مباشرة لسوء تقدير، أو ضعف كفاءة، أو غياب المساءلة.

إن السدود لا تفشل عند انخفاض منسوب المياه، بل تفشل يوم تُرسم على الورق بقرارات متعجلة، ويوم يُقدَّم الاطمئنان الإعلامي على الحقيقة العلمية، ويوم يُستبدل التخطيط الصارم بلغة التبرير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.