الطاقة وعقل الدولة..! وإنهاك المواطن..!


د. مفضي المومني

الشكوى… الفقر.. وضيق ذات اليد… وإنهاك المواطن …وبقاؤه في دائرة الحاجة… هل هذا قدرنا..! وهل دور الحكومات إدارة المشكلة واستدامتها… أم إيجاد الحلول…؟ وإلى متى ستبقى الحكومات العدو الأول للمواطن ورفاهه… وتضييق أي بارقة أمل أو فرح تلوح في أفق حياته المدججة بالهموم… والقروض… والاستقواء على جيبه..! ونحن نرى فواتير الكهرباء العرمرمية الإذعانية التي أسقطتها شركات الكهرباء على المواطن واستفردت به في غفلة من أمره…وصمت حكومي مريب..! مع أنها حديث الشارع وتعج بها وسائل الإعلام… ناهيك عن أسعار الطاقة.. ومواسم البرد… والجوع.. والبنوك وشطحاتها الإقراضية والتعليم وتسعيرة الساعات التي أصبحت مهارة عليا لدى الإدارات الجامعية !. ولا أمل للمواطن… في أفق صُنّاع سياسة يجترّون ذات الأدوات… التي صنعت ذات الخيبات..!.

بعيدًا عن السياسة، ونظرية المؤامرة، أو مناكفة الحكومة وانتقادها، سأكتب ببساطة عن ملف الطاقة وأسعارها بالعقل.. لعقل الدولة..! كمواطن عادي غير متخصص، يقرأ المشهد وكل ما يدور حول أسعار الطاقة (النفط ومشتقاته)، وأسعار الكهرباء، مقترحًا حلولًا أراها واقعية وممكنة التنفيذ، وستعمل على تنشيط الاقتصاد، وتطوير المجتمع، وخفض نسب البطالة، وتعظيم الاستثمار، واستقطاب رأس المال المحلي الراكد والأجنبي.

معروف عالميًا أن تنشيط الاستثمار واستحداث المشاريع والمصانع وتطوير الصادرات وزيادة الإنتاج ترتكز على عدة عناصر أهمها؛ أسعار الطاقة (مشتقات نفطية وكهرباء وغاز.. وغيره)، ثبات السياسات والتشريعات وحصافتها كقاعدة لدعم الاستثمار وتشجيعه كحل رئيس لمشكلتي البطالة والاقتصاد، تجفيف منابع وعناصر الفساد والإفساد، الموارد البشرية والمادية وتوفرها، والدول المتقدمة صناعيًا التقليدية منها والناشئة حديثًا نجحت لأنها أخذت هذه العناصر بعين الاعتبار وطبقتها… بعيدًا عن عقلية الجباية التي تحذر منها نظريات الاقتصاد..!؛ وأكدها ابن خلدون في مقدمته: ” أن كثرة المكوس (الضرائب) والمغارم في أواخر الدول تؤدي لخراب العمران، حيث يضعف الترف والإنفاق الجائر الحوافز الإنتاجية، فيكسد السوق وتقل الجباية. يرى أن الظلم المالي يدمر الدول، وأن تقليل الضرائب يعزز النشاط الاقتصادي، مما يثبت صحة نظرياته الاقتصادية عبر التاريخ”.

في الأردن نتحدث كثيرًا ونُنظّر في موضوع التطوير الاقتصادي وتشجيع الاستثمار، ونُغفل هذه العناصر إما جهلًا أو عمدًا أو لا مبالاة..!، فأسعار المشتقات النفطية عندنا هي الأعلى عالميًا، والتشريعات الناظمة للاقتصاد والاستثمار وقطاع الإنتاج والخدمات والأعمال محبطة ومتذبذبة ومهدِّدة ولا تتسم بالثبات، وتصدر بالقطعة… لفرض رسوم وضرائب جديدة (كل ما دقّ الكوز بالجرّة..!)، ولا تعطي أي طمأنينة لأصحاب رأس المال، وأما الموارد البشرية فموجودة بالغالب، والموارد المادية إما موجودة أو يمكن استيرادها لأن غالبية صناعاتنا تحويلية، ورأس المال موجود محليًا إذا عرفنا أن موجودات البنوك بالمليارات ويمكن توجيهها للاستثمار النفعي بمردود عالٍ وليس الاستثمار الكسول بتدوير رأس المال بفوائد متدنية، وكذلك استقطاب رأس المال الأجنبي للاستثمار، وأما الفساد وما يدور من أحاديث عنه فهو موجود سواءً الفساد المالي أو الإداري وحدث ولا حرج…!.

الحلول المقترحة:

1- تخفيض أسعار المشتقات النفطية بالحدود المتوسطة العالمية، وإلغاء الضريبة الثابتة، وهنا (ستجفل الحكومة..!) لأن هذا القطاع يدرّ عليها عائدات ضريبية آنية ضخمة، لكنها كسولة ومدمرة للاقتصاد والاستثمار..! مريحة لحكومة ليس لديها رؤى ومشاريع وطنية كبرى…!، وهنا في حال تنفيذ هذا المقترح، فسيصبح سعر الطاقة بأنواعها مشجعًا للاستثمار من الداخل والخارج، وستنخفض معدلات البطالة، وسينعكس كل هذا على تطور الإنتاج وقطاع الخدمات، أما الأفراد، فستتحول الأموال الموفَّرة من انخفاض أسعار الطاقة إلى سيولة وقوة شرائية، سواء للمنتجات أو الخدمات، مما يعمل على تنشيط كافة القطاعات وزيادة أعمالها ومبيعاتها داخليًا، وخارجيًا من خلال التصدير، وستعوّض الحكومة بشكل أكبر ما كانت تجبيه من ضرائب محبطة للاقتصاد وقطاع الأعمال من خلال رسوم وضرائب مختلفة على المبيعات والدخل والإنتاج والتصدير، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي لاقتصاد نشط وتدوير للسيولة، وهذا لا يكون آنيًا بل بحاجة لوقت وصبر لن يكون طويلًا، لكنه بالضرورة الحل الصحيح، والتجارب العالمية موجودة ومثال ذلك تركيا وماليزيا وكوريا الجنوبية والبرازيل.

2- ما يخص أسعار الكهرباء المرتفعة؛ معروف أن الطاقة التوليدية للكهرباء لدينا أكبر بكثير من الاستهلاك ونعرض بيعها للدول المجاورة..!، ومعروف أن هنالك اتفاقيات تقيد هذا القطاع، وأن هنالك مبالغ بالملايين تُدفع لشركات التوليد مقابل الطاقة المولَّدة أو المتفق على توليدها ولا تُستهلك مما شكل مديونية مليارية على شركة التوزيع الوطنية..! ، والحل بنظري؛ هو تخفيض أسعار الكهرباء للمستهلك إلى النصف، وإلزام الشركات المولِّدة للطاقة الكهربائية بزيادة طاقة التوليد الفعلية وكذلك زيادة التركيز على مشاريع توليد الكهرباء من (الطاقة المتجددة الشمسية والرياح والتي يتم حاليًا إحباطها لصالح توليد الطاقة الكهربائية التقليدي)، مع تشجيع المصانع ومؤسسات الإنتاج والمواطنين للتحول لاستخدام الكهرباء بدلًا من مصادر الطاقة الأخرى (مثال: استخدام الأفران الكهربائية بدل الغاز، استخدام الطاقة الكهربائية للتدفئة بدل المشتقات النفطية)، وهذا سيزيد من معدلات الاستهلاك للمنشآت والأفراد ويعوض ما تم تخفيضه في التعرفة لأسعار الكهرباء، وينشّط المشاريع الاستثمارية، ويزيد من السيولة بيد الأفراد والتي تشكل أيضًا ضخًا في دورة المال على الصعيد الوطني وتقلل الكساد، والحكومة ستسترد من كل ذلك موارد للخزينة وربما بشكل أكبر من خلال الرسوم وضريبة المبيعات والدخل وغيرها.

3- أما التشريعات وثباتها وتحولها من تشريعات محبطة ومتذبذبة قاتلة للاستثمار، فلدينا خبراء من غير (مشرّعي الجباية في الحكومات)، يستطيعون وضع تشريعات جاذبة للاستثمار ومشجعة ومعززة للمشاريع، أو نقل ذات التشريعات والتجارب لنماذج عالمية مُجرَّبة لدول مثل تركيا وكوريا الجنوبية وماليزيا والبرازيل.

4- الفساد..! وما أدراك ما الفساد..!، وهنا لن أطيل الشرح، فلا تقدم ولا تطور مع وجود الفساد والفاسدين، والقضية هنا بحاجة لإرادة سياسية وتشريعات صارمة لا تحابي احد، تعمل على تجفيف منابع الفساد أيًا كانت، من خلال نظم مراقبة ومحاسبة صارمة، ويمكن أيضًا استقطاب تجارب عالمية نجحت باستئصال الفساد وتجفيف منابعه.

ما أوردته قد لا يكون جديدًا، وربما تحدث به الكثيرون، وهو واقع مطبق في الدول المتقدمة، ويعرفه صانع القرار بالضرورة، لأن كل سياسات الجباية التي توارثتها الحكومات أوصلتنا إلى ما نحن عليه، لأنها الطريقة الأسهل لدعم الخزينة آنيًا، ولأن الحكومات خائفة أو مترددة..! وصانع القرار لا يجرؤ على إحداث ثورة في الاقتصاد وتطويره، مشكلتنا في من (يعرف ولا يطبق، أو يطبق ولا يعرف)، وننتظر من يقرع الجرس…! أو ننتظر معجزة…! وقد انتهى زمن المعجزات، فالتقدم يحتاج لفعل… والفعل عند من لا يملك المفتاح أو يخفيه.. إلى حين… (يا رب يلاقيه..!).… حمى الله الأردن.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.