الطبيب العجلوني الذي امتدت رسالته إلى الوعي والتاريخ

الدكتور موفق العجلوني
بقلمً
السفير
الدكتور موفق العجلوني
رحم الله الخال الشيخ محمد ورحم الله الحاجة سارةً اللذين أنجبا كامل العجلوني
بقلمً السفير الدكتور موفق العجلوني
رحم الله الخال الشيخ محمد ورحم الله الحاجة سارةً اللذين أنجبا كامل العجلوني
شكّل حفل إشهار موسوعة الاستاذ الدكتور كامل العجلوني «الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش المضطر؟»، الذي أقيم مساء اليوم أمس في المركز الثقافي الملكي بعمان، مناسبة فكرية وثقافية لإعادة قراءة مسار العلاقة بين الحضارتين العربية الإسلامية والغربية، بما شهدته من صراعات وتحولات سياسية وفكرية وثقافية، وما قدمته الحضارة العربية الإسلامية من إسهامات في بناء المعرفة الإنسانية. وأكد المتحدثون في الحفل، الذي ترأس الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، أهمية ترسيخ الوحدة الوطنية ونبذ التطرف، فيما أشار وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية معالي الدكتور عزمي محافظة إلى أهمية التوثيق ودقة المصادر في قراءة التاريخ، واستعرض وزير المياه والري الأسبق معالي الدكتور منذر حدادين أبرز محاور الموسوعة ومحطاتها التاريخية، مشيداً وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأسبق معالي الدكتور عبد الناصر أبو البصل بحجم الجهد البحثي الذي تطلبه إنجازها، في حين تناول وزير الاتصال الحكومي الأسبق معالي الدكتور مهند مبيضين التحولات التي حكمت العلاقة بين القوى الأوروبية والدولة العثمانية، وقدم الصحفي الاستاذ محمد خروب قراءة في الخطابات الغربية التي تناولت المجتمعات العربية وتاريخها.
وتأتي الموسوعة، التي استغرق إعدادها سبع سنوات وتقع في أربعة مجلدات تضم 2486 صفحة، مستندة إلى نحو 1847 مصدراً ومرجعاً ومقالاً، لتفتح المجال أمام قراءة معمقة في جذور العلاقة بين الحضارتين ومساراتها التاريخية.
ياتي الحديث عن كتاب معالي الاستاذ الدكتور كامل العجلوني، ليس ةمن باب المجاملة العائلية، بل من باب تقدير مسيرة علمية وفكرية اختارت أن توسع مجال اهتمامها إلى قضايا تتجاوز حدود التخصص.
لقد ارتبطت صورة الطبيب في وجدان الناس بمعاني الرحمة والثقة وخدمة الحياة. فالطبيب لا يتعامل مع المرض باعتباره رقمًا في سجل، بل يرى خلفه إنسانًا له أسرة ومخاوف وآمال. والعالم لا يكتفي بما هو متاح من معرفة، بل يواصل البحث والسؤال. أما المفكر، فإنه يحاول أن يقرأ ما وراء الأحداث، وأن يربط بين الوقائع، وأن يضع أمام المجتمع أسئلة ربما لا يجد إجاباتها جاهزة.
وحين تجتمع هذه المعاني في إنسان واحد، تصبح تجربته جديرة بأن تُقرأ من أكثر من زاوية. فمسيرة الطبيب تعلمنا قيمة الدقة، ومسيرة العالم تعلمنا قيمة الدليل، ومسيرة المفكر تعلمنا قيمة السؤال، ومسيرة الإنسان تعلمنا أن كل هذه القيم تفقد معناها إذا انفصلت عن الرحمة والعدل وخدمة الآخرين.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذه المناسبة أن العلم لا يفقد قيمته عندما يخرج من حدود تخصصه، بل قد تتسع آفاقه حين يوظف صاحبه خبرته في فهم القضايا العامة، شريطة أن يحافظ على المنهج العلمي، وأن يميز بين ما يعرفه من واقع اختصاصه وما يحتاج إلى بحث مستقل في مجالات أخرى.
وإن انتقالك من الطب إلى البحث الموسوعي في التاريخ والحضارة يعبر عن اهتمام يتجاوز الإنجاز الشخصي إلى المشاركة في النقاش العام. فالكتاب، في نهاية المطاف، ليس جهد مؤلفه وحده؛ إنه أيضًا دعوة إلى القارئ كي يشارك في التفكير، وإلى الباحث كي يراجع الأدلة، وإلى المؤسسات الثقافية والتعليمية كي تجعل المعرفة متاحة للأجيال.
إننا نقدر بكامل العجلوني الذي ارتبط اسمه بالعلم، ونعتز بالعالم الذي واصل البحث، ونحترم المفكر الذي اختار أن يفتح ملفات التاريخ وأسئلته، ونحتفي بالإنسان الذي تظل قيمة المعرفة عنده مرتبطة بما يمكن أن تقدمه للوعي العام.
وإذا كان الطب يسعى إلى تخفيف الألم في الجسد، فإن المعرفة تسعى إلى تخفيف ألم الجهل وسوء الفهم، وإذا كان العلاج يحتاج إلى تشخيص دقيق، فإن معالجة أزمات المجتمعات تحتاج كذلك إلى فهم جذورها، وإلى التمييز بين الأسباب المباشرة والعوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية التي أسهمت في نشأتها.
غير أن المعرفة، مثل الطب، لا تكتمل بالوصف وحده؛ إذ ينبغي أن تقود إلى ما ينفع الناس. وهذا هو التحدي الذي يواجه كل كتاب يتناول قضية بحجم العلاقة بين الحضارات وفلسطين وغزة: كيف ينتقل القارئ من الفهم إلى العمل، ومن التأثر إلى المساهمة، ومن المعرفة إلى المسؤولية؟
إن السؤال عن موقف الأمة الإسلامية مما يتعرض له الفلسطينيون ينبغي ألا يبقى في حدود العتاب والخطاب العاطفي، على ما للعتاب من مكانة في التعبير عن الألم، بل يجب أن يتحول إلى مراجعة عملية لما يمكن فعله.
فالدول تمتلك أدوات دبلوماسية واقتصادية وقانونية، والمؤسسات الإنسانية تمتلك خبرات في الإغاثة والعلاج وإعادة التأهيل، والجامعات ومراكز البحث تستطيع توثيق الوقائع وتحليلها، والإعلام يستطيع نقل المعاناة والتحقق من المعلومات، أما الأفراد فيستطيعون دعم المبادرات الموثوقة والمساهمة في بناء رأي عام واعٍ يرفض استهداف المدنيين ويدافع عن الحقوق المشروعة.
ويمكن للعمل العربي والإسلامي المشترك أن يركز على مجموعة من الأولويات الواضحة: حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ودعم المستشفيات والكوادر الطبية، والمساهمة في إعادة تأهيل المدارس والمرافق الأساسية، وتوثيق الانتهاكات بصورة مهنية، ومساندة المسارات القانونية التي تسعى إلى المساءلة، والعمل السياسي من أجل إنهاء الاحتلال وتحقيق سلام عادل يضمن الحقوق الفلسطينية.
كما أن دعم الفلسطينيين يتطلب الاستماع إلى احتياجاتهم وأولوياتهم، وعدم اختزال قضيتهم في خطابات الآخرين. فالشعب الفلسطيني ليس مجرد موضوع للتضامن، بل شعب له إرادته ومؤسساته وحقه في تقرير مستقبله.
والمطلوب كذلك أن ننتبه إلى خطورة الانقسام، وأن نبحث عن مساحات الاتفاق على القضايا الإنسانية الأساسية، حتى عندما تختلف الدول والقوى السياسية في تقديراتها وأساليبها. فحماية المدنيين وإغاثة المتضررين والدفاع عن حق الإنسان في الحياة والكرامة ينبغي أن تكون أرضية مشتركة للعمل.
إن قوة الموقف لا تقاس بحدة عباراته، بل بقدرته على إحداث أثر. وقد يكون بيان واضح ومتابعة دبلوماسية مستمرة، أو قافلة إغاثة تصل في وقتها، أو ملف قانوني موثق، أو دعم مستدام لمؤسسة طبية، أكثر أثرًا من خطاب مرتفع النبرة لا يترتب عليه فعل.
وهذا لا ينتقص من قيمة الكلمة؛ فالكلمة قد تحيي قضية وتوقظ ضميرًا وتكشف حقيقة، لكنها تبلغ غايتها حين تلتقي بالعمل المنظم والمعرفة الدقيقة والإرادة المستمرة.
إن واجبنا تجاه فلسطين لا ينتهي بانتهاء موجة إعلامية، ولا يتراجع عندما تنتقل الأنظار إلى أزمة أخرى. فإعادة الإعمار، والعلاج النفسي والجسدي، وتعليم الأطفال، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية الحقوق، كلها أعمال تحتاج إلى سنوات من الجهد والتخطيط والتمويل والتعاون.
ومن هنا فإن استحضار غزة في كتاب تاريخي ينبغي أن يدفعنا إلى النظر إلى المستقبل أيضًا: كيف يمكن منع تكرار الكارثة؟ وكيف يمكن حماية المدنيين بصورة أكثر فاعلية؟ وكيف يمكن أن يصبح القانون الدولي أداة حقيقية للمساءلة؟
وكيف يمكن للدول العربية والإسلامية أن تزيد قدرتها على التأثير في القرارات التي تمس مصير شعوب المنطقة؟
من مؤتة إلى غزة، تتغير الأزمنة والخرائط والأدوات، لكن الأسئلة الكبرى تظل حاضرة: ما قيمة التاريخ إن لم نتعلم منه؟ وما قيمة المعرفة إن لم تساعدنا على فهم واقعنا؟ وما قيمةالتضامن إن لم يتحول إلى حماية وإغاثة وعمل منظم؟ وما قيمة الحضارة إن لم يكن الإنسان في قلبها؟
إننا نحتاج إلى قراءة الماضي دون أن نسجن أنفسنا فيه، وإلى فهم الصراعات دون أن نحولها إلى كراهية دائمة، وإلى الدفاع عن الحقوق دون التخلي عن المبادئ التي تمنح هذا الدفاع معناه. نحتاج إلى ذاكرة تحفظ الوقائع، وعقل يفحص الأدلة، وضمير يرفض الظلم، وإرادة تعمل من أجل مستقبل أكثر عدلًا.
ولعل الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من هذه المناسبة هي أن التاريخ ليس ملكًا للماضي وحده؛ إنه مسؤولية الحاضر أيضًا. فكل جيل يقرأ ما حدث قبله، ثم يقرر ماذا سيفعل بما تعلمه. إما أن يجعل من المعرفة طريقًا إلى الإصلاح، وإما أن يكتفي باستعادة الأحداث حتى تتكرر أمامه في صور جديدة.
إن مؤتة تذكرنا بواقعة تاريخية ترتبط بالرسالة والمسؤولية، وغزة تضع أمامنا اليوم مسؤولية حماية الإنسان والدفاع عن حقوقه. وبينهما تمتد مساحة واسعة من التاريخ، لا ينبغي أن نقرأها بعين الانتقام، بل بعين الباحث عن الحقيقة والعدل، وعن السبل التي تمنع تكرار المآسي.
أما أنت ايها ” الخال ابو صخر ” ، الأستاذ الدكتور كامل العجلوني، فنقول لك إننا نعتز بك طبيبًا وعالمًا ومفكرًا وإنسانًا، و خالاً و ابن خال ( و ثلثين الولد لخاله ) ، ونقدر هذا الجهد الذي يضع بين أيدي القراء عملًا موسوعيًا يفتح أبواب البحث والنقاش.
ونتمنى أن تجد هذه الموسوعة مكانها في المكتبات والجامعات ومراكز الدراسات، وأن تكون مادة للأجيال التي تريد أن تفهم تاريخها، وأن تناقش رواياته، وأن تتعرف إلى جذور قضاياها المعاصرة.
نرجو أن يكون الكتاب بداية لحوارات علمية واسعة، وأن يجد الباحثون فيه ما يحفزهم إلى المزيد من التوثيق والتحقيق والمقارنة، وأن يقرأه الشباب بعقل ناقد، فيتعلموا أن الاعتزاز بالهوية لا يتعارض مع الانفتاح على المعرفة، وأن الدفاع عن الحق لا يتطلب التخلي عن الإنصاف، وأن فهم الآخر لا يعني تبرير الظلم، كما أن رفض الظلم لا يستلزم إدانة الشعوب بأكملها.
لقد كان الطبيب فيك يا أبا صخر معنيًا بالإنسان، والعالم فيك معنيًا بالمعرفة، والمفكر فيك معنيًا بالسؤال، والإنسان فيك معنيًا بما يتجاوز حدود المهنة واللقب. وهذه مناسبة لنقول إن أثر المرء لا يقاس بعدد الكتب التي يؤلفها أو المناصب التي يشغلها فحسب، بل بما يتركه من معرفة نافعة، وبما يفتحه من أبواب للحوار، وبما يلهمه من رغبة في البحث والعمل.
حفظك الله، وأدام عليك الصحة والعطاء، وجعل ما قدمته في ميزان الخير والمعرفة، ووفقك لمزيد من العمل الذي يجمع بين العلم والمسؤولية الإنسانية.
ومن مؤتة إلى غزة، يبقى الدرس الأعمق أن التاريخ لا يطلب منا أن نعيش في ظلال الماضي، بل أن نتعلم منه كيف نصنع حاضرًا أكثر عدلًا، وأن نعمل حتى لا تتحول مآسي الشعوب إلى صفحات تتكرر في الكتب، بينما يظل الإنسان نفسه يدفع ثمن الصمت والعجز والانقسام.
ولتبقَ غزة في ضميرنا قضية إنسان وحق وكرامة، ولتبقَ فلسطين حاضرة في وعينا وعملنا، وليكن العلم الذي نحتفي به اليوم طريقًا إلى الحقيقة، والكلمة التي نكتبها عهدًا بالمسؤولية، والتاريخ الذي نستحضره دافعًا إلى بناء مستقبل لا يُترك فيه المظلوم وحيدًا، ولا يصبح فيه الظلم قدرًا لا يتغير.
فالطبيب يعالج الجسد، والعالم ينير العقل، والمفكر يوقظ السؤال، أما الإنسان الذي يجمع هذه الرسائل، فيترك أثرًا يتجاوز حدود المكان والزمان. وهذا ما نرجوه لكتابك يا خال، ولرسالتك العلمية والإنسانية، ولأجيالنا التي تستحق أن ترث تاريخًا تتعلم منه، وحاضرًا تعمل على إصلاحه، ومستقبلًا تصنعه بالعلم والعدل والكرامة .
المدير العام
مركز فرح الدولي للدراسات والابحاث الاستراتيجيةً

