الغُولةُ والحَرامي… الآن فَهِمتُكِ يا والدَتي، لكنَّني لم أَفهَم وَطني الحبيب

منذر محمد الزغول
—
عِندَما كُنّا صِغارًا نَلعَبُ ونَلهو كَباقي الصِّغارِ في ذلك الوَقت، لم تَكُن تَشغَلُنا هُمومُ الدُّنيا كثيرًا، وكان أَقصى ما كُنّا نَتمنّاه أن نَشغَلَ وَقتَنا باللَّعبِ واللهو. وعِندَما يأتي المساءُ تَبدأُ بَعضُ مُعاناتِنا، فلا أَجهِزةُ تِلفازٍ ولا أيُّ وَسيلةِ تَسليةٍ أُخرى، لذلك كُنّا نَقضي جُلَّ وَقتِنا بالتَّشاجُر أو القيام بأيِّ أَمرٍ يُسَبِّبُ الإزعاجَ لوالدتِنا رحمها الله. وهذا ما كان يَدفعُها لِتَهديدِنا دائمًا بالغُولةِ والحَرامي، خاصّةً وأنَّ والدي رحمه الله كان يَقضي غالبيّةَ وَقتِه خارجَ المنزلِ بسببِ طبيعةِ عَملِه.
في الحقيقةِ كانت تَهديداتُ أُمّي رحمها الله لنا بالحَرامي والغُولةِ تُؤتي أُكُلَها، فكُنّا نَذهَبُ إلى الفِراشِ ونحن نَرتعِدُ خَوفًا، حتى إنَّه مِن شِدّةِ الخوفِ لم نَكُن نَتَجَرَّأ في كثيرٍ من الأَحيان على الذَّهابِ إلى الحَمّامِ الّذي كان يُسمّى في أَيّامِنا بـ (الخارج) لِوُجودِه خارجَ المنزل، وهو الأَمرُ الّذي كان شائعًا في مُعظمِ البيوتِ في ذلك الوَقت.
كَبِرنا بَعضَ الشّيء، ولم نَستطِع تَشكيلَ فِكرةٍ كامِلةٍ عمّا كانت تَقصِدُه والدَتي بالغُولةِ والحَرامي، لكنّنا بالطَّبع كُنّا نَعتقِد أنَّ الغُولةَ كائِنٌ جِنّيٌّ يَلتَهِمُ كلَّ شَيءٍ في طريقِه، وهي شَديدةُ البأسِ والقُوّة، ولا يَقِفُ في وَجهِها أَحَد، لأنّها في النِّهايةِ كائِنٌ لا يُرى بالعَينِ المُجرَّدة.
أمّا الحَرامي فكُنّا نَظُنُّه، مِن شِدّةِ خَوفِنا مِنه، كائِنًا شَديدَ الشَّر، له أَنيابٌ وأَظافِرُ طَويلة، وعُيونٌ يَتَطايرُ منها الشَّرَر، وآذانٌ عَريضة، وأَسنانٌ كالمِنشار، والعديدُ مِن الصِّفاتِ القَبيحةِ الأُخرى. ولهذا كُنّا نَرتعِدُ خَوفًا مِن الغُولةِ والحَرامي، الأَمرُ الّذي كان يَدفعُنا إلى تَلبيةِ طَلَباتِ وأَوامِرِ والدتِنا حتى دونَ أن نُناقِشَها.
بعدَ عِدّةِ عُقودٍ مِن الزَّمن كَبِرنا كثيرًا، وأَدرَكنا حينها أنَّ الغُولةَ والحَرامي كانا مُجرَّدَ نَسجٍ مِن خَيالِ والدَتي وجَميعِ الأُمَّهاتِ في ذلك الوَقت، لِتَهديدِنا ومَنعِنا مِن فِعلِ أيِّ شَيءٍ يُغضِبُهُنَّ أو يُسَبِّبُ لَهُنَّ الإزعاج. أَمّا الحَرامي فكان أَجبَنَ مِمّا كُنّا نَتَصوَّر ونَعتقِد، فهو إِنسانٌ ضَعيفٌ لا يَقوى حتى على تَأمينِ قُوتِ يَومِه. أَمّا الغُولةُ فهي بالطَّبع لا وُجودَ لَها على الإطلاق، وكان يُتَطرَّقُ إليها فقط لِلتَّهديدِ والوَعيد.
اليَوم، وبعدَ عُقودٍ مِن الزَّمن، فَهِمنا والدَتَنا ولِماذا كانت تَستَعينُ بالغُولةِ والحَرامي، ولكنَّنا لم نَفهَم بعد يا وَطني الحبيب، مَن هُم غُولةُ وحَراميّةُ هذا الزَّمان. فهَل هُم مثلًا مَن نَهَبوا خَيراتِ البِلادِ والعِباد؟ وهل الغُولةُ هي مَن تَبتلِعُ كلَّ شَيءٍ في طريقِها؟ وهل حَرامي هذا الزَّمان هو الّذي يَلتَهِمُ الأَخضَرَ واليابِسَ وكلَّ شَيءٍ في طريقِه؟
أَعتقِد أنَّ الفارِقَ الوَحيدَ بين حَرامي اليَوم وحَرامي الأَمس الّذي كانت تُخوِّفُنا مِنه والدَتي رحمها الله، هو أنَّ حَرامي اليَوم ليس له أَظافِرُ ولا أَنياب، بل هو شَديدُ الأَناقَةِ والشِّياكَة، يَلبَسُ أَفخَمَ المَلابِس، ويَضَعُ أَرقى العُطور، ويَركَبُ أَحدَثَ السَّيارات، ويَسكُنُ أَجمَلَ وأَكبَرَ الفِلَلِ والقُصور. كما أنَّه يَتَحدَّثُ دائمًا بأَجمَلِ وأَرَقِّ العِبارات، حتى تَظُنَّ أَنَّكَ أَمامَ مَلاكٍ نازِلٍ مِن السَّماء.
تُرى يا والدَتي، مَن أَخطَرُ علينا وعلى وَطنِنا: الحَرامي الّذي كُنتِ تُخوِّفينَنا مِنه صِغارًا، أَم حَرامي اليَوم الّذي صالَ وجالَ وما يزالُ دونَ حَسيبٍ أو رَقيب؟
بالطَّبع أَتفَهَّمُكِ جَيِّدًا يا والدَتي، يا روحَ الرّوح، وأَعتذِرُ لِروحِكِ الطّاهِرةِ النَّقيّةِ عَن كُلِّ ما بَدَرَ مِنّا صِغارًا، مُتمنّيًا أن تَقبَلي اعتِذارَنا، فَقَد كُنّا نُحِبُّكِ والله أَكثرَ مِن أَنفُسِنا. أَمّا وَطني الحبيب يا والدَتي، فوالله رغم أنّني بَلَغتُ مِن العُمرِ ما بَلَغت، ما زِلتُ لا أَفهَمُه، ولا أَستطيعُ أن أُدرِكَ لِماذا ما يزالُ يَتَمَسَّكُ بالغُولةِ والحَراميّةِ والفاسدين والمتافقين لِإدارةِ شُؤونِ البِلادِ والعِباد، رغم أنَّ البِلادَ مَليئةٌ بالشُّرَفاءِ والمُخلِصينَ الّذين يُحِبّونَ الوَطنَ كَحُبِّنا لِأُمَّهاتِنا وكُلِّ مَن يَعِزُّ علينا.
حَفِظَ اللهُ وَطنَنا الغالي وقِيادتَنا الهاشِميّةَ المُظفَّرةَ مِن كُلِّ سُوء، وجَنَّبَنا الفِتَنَ وحَراميّةَ هذا الزَّمان.
والله من وراء القصد ،،،
بقلم / منذر محمد الزغول
ناشر ومدير وكالة عجلون الاخبارية

