الكفاءة أولاً: دروس من بلدية عجلون في قيادة التغيير والتنمية بقلم

د.عبدالله محمد القضاة
عامٌ كاملٌ من العمل المتواصل المنظم.. وخططٌ ومبادرات وعمل ميداني دؤوب وتحوّل رقمي ممنهج.. واقع يلمسه أبناء بلدية عجلون في كل زقاق وحيّ، كيف لا؛ وإبن القوات المسلحة الذي يقود لجنة بلدية عجلون منذ تعينه يقف متهيأ وكأنه ما زال في ميادين الشرف الذي خرج من رحمها ليلبي نداء الوطن في خدمة أهله الذين ارتسمت على محياهم فرحة قل نظيرها يلحظها كل زائر من خارج حدود بلديتهم.
العميد المهندس المتقاعد محمد البشابشة رئيس لجنة بلدية عجلون الكبرى، والذي عينته الحكومة، ولم ينتخبه مواطني البلدية، لكنه فاجأ الجميع بقدراته القيادية الخلاقة وابداعاته التي لم يقترب منه إلا القليل القليل من الرؤساء المنتخبين؛ والأهم من ذلك أنه من خارج المحافظة؛ بمعنى أنه لايعمل لغايات الدعاية الإنتخابية سواء أكانت بلدية أم نيابية.
ولعل البعض يتساءل عن إنجازات الرئيس البشابشة، وهذا حق شرعي للمواطن، فالحكم يكون دائما على النتائج، فماهي إنجازاته التي يشار اليها بالبنان ضمن فترة قصيرة من ولايته؟
العنوان الأبرز وصدارة الأولويات لديه كانت ثورة النظافة والإدارة البيئية ، فقد نجح مع فريقه في رسم خارطة النظافة عبر خطة شاملة لجمع ونقل النفايات وزيادة عدد الضاغطات وتقسيم المدن إلى قطاعات، مدعومة بنظام تتبع ذكي (GPS) ويتابع الكميات الموردة إلى محطات التحويل، لضمان دقة التنفيذ وكفاءة العمل وسرعة الاستجابة. كما نجحت البلدية في تعزيز البنية التحتية للنظافة بزيادة عدد الحاويات وتنظيم مواقعها، ودعم عمّال الوطن ببرامج وقائية وتوعوية، مع فرض رقابة ميدانية صارمة لمتابعة الأداء اللّحظي.
لقد قادت البلدية ؛ وهي مستمرة؛ حملات نظافة موسعة بالتعاون والتشارك مع الهيئات ومؤسسات المجتمع المدني، وبخطوة نوعية، كما استُحدِثت وحدة “البيئة السياحية” لتبقى المواقع التاريخية والسياحية عنواناً للنظافة والجمال.
الهوية البصرية، لم تغب عن برنامجه الطموح؛ فقد نفذت البلدية ؛ برؤية جمالية شاملة؛ حملة واسعة لتحسين المشهد الحضري؛ شملت إزالة الأتربة والأنقاض والملصقات العشوائية في الشوارع والساحات، وتحويل الجدران الصماء إلى جداريات تحكي هوية المكان. وتكاملت هذه الجهود مع أعمال ميدانية دقيقة؛ بدأت بتقليم الأشجار وصيانة الأرصفة وطلائها، وصولاً إلى تجميل وسط المدينة ومداخلها ومساراتها السياحية، وتأهيل المرافق العامة من أدراج ومظلات وحدائق، وينابيع دائمة الجريان تحكي قصة أجيال مرت عبر المكان.
أما أعمال صيانة وإنشاء الطرق ، فكان لها نصيب وافر من الخطة التنفيذية ، فكانت الخطوات الواثقة تتجه نحو تعزيز الربط الميداني، بشبكة من الطرق الآمنة في مناطق البلدية مع البلديات المجاورة، فتم فتح وتعبيد أكثر من (75 ) ألف متر مربع من الطرق الرئيسية والفرعية وكان من أهما شارع الصالوص في عنجرة، توجّها “طريق المنتجع الاستشفائي”، كركيزة استراتيجية لدعم السياحة العلاجية ضمن المخطط الشمولي لمدينة عجلون، ترافق ذلك مع إنشاء عدد كبير من الجدران الاستنادية والسلاسل الحجرية لحماية الطرق ومنع انجراف التربة حفاظاً على سلامة المستخدمين.
. وكقائد عسكري محترف، لابد أن يكون لإدارة الأزمات حضورا في تنفيذ أعمال البلدية، فقد تبنى منهجية استباقية رفعت من سقف الجهوزية، لقد أطلقت البلدية خطة طوارئ شاملة لاستقبال موسم الأمطار، حيث سخرت كافة إمكانياتها لتنظيف مجاري الأودية وفتح العبارات وجرلات التصريف في مختلف المناطق، وتجسدت هذه الخطة ميدانياً عبر إنشاء قنواتٍ وأطاريف لتوجيه السيول في البؤر الساخنة، ورفدها بعبارات جديدة لضمان تصريف المياه، بالتوازي مع تأهيل وصيانة الآليات والمعدات لضمان الاستجابة اللحظية؛ في سعيٍ دؤوب لتحصين المدينة وحماية الأرواح والممتلكات من أي تداعيات جوية.
ولضمان بيئة صحية آمنة، نفذت البلدية جولات رقابية مكثفة على الأسواق والمحال التجارية نتج عنها العديد من الإنذارات والإغلاقات لضمان سلامة الغذاء ومطابقته للمعايير، بالإضافة إلى حملات رش وتعقيم في مناطق البلدية، وتنفيذ مبادرات توعوية وشراكات مجتمعية تضع صحة المواطن وحماية المكان في مقدمة أولوياتها.
وإستجابة لرؤية المملكة في التحديث الإداري، فقد أحدثت البلدية قفزةً نوعية في بنيتها المؤسسية عبر تفعيل نظام (GIS) نظام المعلومات الجغرافية الشامل لمناطق البلدية الخمس، وإطلاق براءة الذمة الإلكترونية، وتعزيز أنظمة الربط الرقمي والبصمة، وبالتوازي مع هذا التطور التقني، شهد الوضع المالي إدارةً حكيمة ساهمت في تحقيق توازناتٍ وتسوياتٍ من ضمنها تسويات مالية مع بنك تنمية المدن والقرى والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، إلى ترشيد في النفقات وزيادة في الإيرادات بكفاءة عالية، وإطلاق حملات توعوية لحث المواطنين للاستفادة من الإعفاءات الضريبية.
أما في مجال الشراكة المجتمعية والتنمية المستدامة ، ومن منطلق الإيمان العميق بأن المواطن هو الشريك الأول في مسيرة البناء، جسّدت البلدية مفهوم التنمية المحلية عبر شراكات مجتمعية فاعلة؛ فمن غرس قيم النظافة في أجيال المدارس من خلال مبادرة “بصمة جيل” بالتعاون مع مجلس شباب عجلون، إلى ترسيخ ثقافة السلامة العامة بالتعاون مع الدفاع المدني في مبادرة «شتاء_آمن» وغيرها، تمضي بلدية عجلون الكبرى في بناء وعيٍ يحمي المكتسبات، ويحوّل المسؤولية المجتمعية إلى سلوكٍ يومي يعزز نظافة البيئة.
وبمنهجيةٍ تجمع بين الاستثمار في الإنسان والمكان، تبرز شراكة القرية الحضرية التابعة للبلدية ومركز زها الثقافي كمنصةٍ لتنمية المواهب المجتمعية، يترافق معها تنفيذ برامج تدريبية مكثفة لرفع كفاءة موظفي البلدية، بهدف تعزيز التميز المؤسسي وضمان تقديم خدماتٍ مهنية تواكب معايير الجودة والحداثة.
وختاما يمكن القول، إنَّ ما تحقق من إنجازاتٍ اليوم ليس إلا حجر الأساس لرؤيةٍ غدٍ أكثر طموحاً؛ حيث تمضي بلدية عجلون الكبرى بثبات نحو استكمال منظومة مشاريعها الاستراتيجية. ففي الأفق، يبرز استكمال مشروع سوق ريف عجلون السياحي لتسويق المنتجات الريفية لأهالي المنطقة وأصحاب المشاريع الصغيرة، بالإضافة إلى تسهيل مهمة وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة لإنشاء مركز للخدمات الحكومية بالتوازي مع البدء بتشييد مبنى جديد للبلدية، وإنشاء حديقة عامة كمركزٍ ترفيهيٍ متكامل ونابض بالحياة، كما تضع البلدية في خططها المستقبلية من خلال إنشاء سوق خضار نموذجي لأصحاب البسطات في منطقتي عجلون وعنجرة وأعمال سوق عجلون التجاري ” الحسبة”، وتنظيم مواقف ومسارات مجمع السفريات في قلب عجلون، بخطىً واثقة ومشاريعَ ممتدة، نؤسس لمستقبلٍ مستدام يليق بعظمة عجلون ويحقق تطلعات أبنائها جيلاً بعد جيل.
لم تكن هذه الإنجازات إلا حجر أساس لبداية العمل النوعي؛ فبروح الفريق الواحد، تمضي بلدية عجلون الكبرى للارتقاء بمدينة تعتز بتاريخها وتستجيب لطموحات المستقبل. ونتمن عل الحكومة، دراسة إنجازات رؤساء لجان البلديات المعينين ومقارنة هذه الإنجازات بمن سبقهم من المنتخبين، لتكون نتائج هذه الدراسة مدخلا مهما في تعديل قانون الإدارة المحلية ، وإلنظر في إمكانية تعيين رؤساء بلديات مراكز المحافظات بدلا من الإنتخاب ، لأن مصلحة الوطن والمواطن هي الأهم، كما أنني أقترح على معالي وزير الإدارة المحلية إطلاق جائزة رئيس البلدية المتميز لتكريم مثل هؤلاء المبدعين الذين لمس المواطن إنجازاتهم ، وكذلك تكريم فرق العمل ومدراء المناطق المتميزين.

