المعلم… حين تكون الرسالة وطنًا


الدكتور اشرف الغزو

في الخامس من تشرين الأول من كل عام، يقف العالم احترامًا أمام واحدة من أعظم المهن الإنسانية، مهنة التعليم، ويحتفي بالمعلم الذي اختار أن يكون صانعًا للإنسان قبل أن يكون ناقلًا للمعرفة، ومربيًا للأجيال قبل أن يكون شارحًا للكتب والمناهج.
فالمعلم ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل وينتهي دوره بانتهاء الدوام المدرسي؛ المعلم صاحب رسالة، ورسالة المعلم من أسمى الرسائل التي يمكن أن يحملها الإنسان، لأنه يتعامل مع العقول والقلوب، ويشارك الأسرة والمجتمع في تشكيل شخصية الإنسان وبناء مستقبله.
وإذا كانت الأوطان تُبنى بالسواعد، فإن العقول التي تقود هذه السواعد يصنعها المعلم. وإذا كان المستقبل يبدأ من اليوم، فإن المعلم هو من يضع أولى لبناته داخل غرفة الصف. ومن هنا، فإن مكانة المعلم لا تُقاس بعدد الحصص التي يقدمها، ولا بالأوراق التي يصححها، وإنما بالأثر الذي يتركه في نفوس طلبته، وبالأجيال التي يسهم في إعدادها لخدمة وطنها ومجتمعها.
وفي الأردن، كان للمعلم حضور راسخ في مسيرة الدولة ونهضتها. فمن مدارسنا خرج الطبيب والمهندس والقاضي والجندي والأكاديمي والمفكر والمسؤول، وكل واحد منهم كان في يوم من الأيام طالبًا يجلس أمام معلم آمن بقدراته، وربما قال له كلمة صنعت فرقًا في حياته، أو منحه ثقةً بنفسه، أو فتح أمامه بابًا لم يكن يراه.
إن أعظم ما يملكه المعلم ليس الكتاب ولا السبورة ولا التكنولوجيا، وإنما قدرته على صناعة الأمل. فكم من طالبٍ كان يظن أنه عاجز، حتى جاء معلم آمن به، وكم من موهبة كانت ستضيع لولا معلم اكتشفها، وكم من شخصية صنعتها كلمة تشجيع صادقة قالها معلم في الوقت المناسب.
وفي زمن تتسارع فيه المعرفة وتتغير فيه أدوات التعليم، تبقى قيمة المعلم ثابتة، بل تزداد أهمية. فالتكنولوجيا تستطيع أن تنقل المعلومة، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم إجابة، لكن المعلم هو من يعلّم الطالب كيف يفكر، وكيف يختار، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يكون إنسانًا صالحًا لوطنه ومجتمعه.
إن الاحتفاء بالمعلم لا ينبغي أن يكون في يوم واحد فقط، وإنما يجب أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية راسخة، تبدأ من احترام المعلم وتقدير جهده، وتمتد إلى تمكينه وتطوير أدواته، وتعزيز مكانته، وتوفير البيئة التي تساعده على أداء رسالته بعيدًا عن كل ما يثقل كاهله ويحد من قدرته على الإبداع.
وفي يوم المعلم، لا نحتفي بشخصٍ يقف أمام الطلبة فحسب، بل نحتفي برسالة، وبقيمة، وبإنسان اختار أن يستثمر عمره في بناء أعمار الآخرين.
إلى كل معلم أردني…
إلى من يدخل غرفة الصف كل صباح وهو يحمل على عاتقه مسؤولية أجيال، ويغادرها وهو يعلم أن كلمة منه قد تغيّر حياة طالب؛ لك منا كل الاحترام والتقدير.
إلى زملائي المعلمين في مدرسة المرجم الثانوية الشاملة للبنين، وإلى جميع الزملاء والزميلات في مدارس محافظة عجلون، وفي مختلف مدارس وطننا الغالي، أقول:
أنتم لستم جزءًا من مسيرة التعليم فحسب، بل أنتم جزء أصيل من مسيرة بناء الأردن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.