المقابلة التي اكتشفت فيها أنني لست شاهداً على الثورة العربية الكبرى !!!

محامي محمد صدقي الغرايبة
سنة 1995 أعلنت إحدى الجهات الرسمية عن شواغر لوظيفة مرموقة. وكعادة الشباب حديثي التخرج، قرأت الإعلان بالحريدة اليومية طبعا وابتسمت ابتسامة من يعرف أن الطريق ليس مفروشاً بالورود، بل ربما كان مفروشاً بأسماء المرشحين قبل أن ينشر الإعلان أصلاً.
لكنني قلت في نفسي: “اذهب، فربما تكون ظنونك خاطئة، وإن لم تذهب ستبقى بقية عمرك تلوم نفسك .
شددنا الرحال إلى العاصمة، وبعضنا اضطر للمبيت فيها لأن موعد المقابلات كان متأخراً. وكان الجو وقتها ماطرا كوننا كنا في فصل الشتاء … المهم وصلنا إلى قاعة الانتظار، وهناك بدأت أولى المفاجآت.
وجدنا بعض المتقدمين يحملون أوراقاً وملفات وقوائم أسئلة وأجوبة، يراجعونها كما يراجع الطلبة ليلة الامتحان النهائي، بينما كنا نحن نجلس بثقة العفوية وسذاجة الاعتقاد بأن المقابلة ستتناول التخصص والخبرة والمؤهلات.
جاء دوري وتم المناداة على رقمي
دخلت إلى اللجنة مكونة من أربعة اشخاص
سؤال البداية كان منطقياً:
“عرف عن نفسك.”
فبدأت الحديث.
وقبل أن أكمل جملة مفيدة قاطعني أحدهم قائلاً:
“بالإنجليزي… بالإنجليزي.”
فانتقلت إلى اللغة الإنجليزية، وسارت الأمور بشكل طبيعي في الدقائق الأولى وعلى الرغم من كل ذلك كانت اجابة بلغة احد ابناء الحراثين.
لكن يبدو أن ذلك لم يكن كافياً.
سألني أحد أعضاء اللجنة:
“أنت حسب المعلومات الي عندي من عجلون؟”
قلت: نعم.
قال:
“شو كان يشتغل الوالد؟”
قلت:
“متقاعد من القوات المسلحة الأردنية.”
فجاء السؤال التالي مباشرة:
“احكيلنا عن الجيش العربي وتشكيلاته باللغة الإنجليزية.”
أجبته بكل بساطة:
“أنا خريج جامعة البصرة، ولم أدرس الثقافة العسكرية، ولا أملك معلومات دقيقة عن تشكيلات الجيش حتى باللغة العربية.”
ويبدو أن هذا الجواب لم يعجبهم.
تدخل عضو آخر وكأنه كان ينتظر فرصته منذ بداية الجلسة.
سألني:
“بتعرف عن الثورة العربية الكبرى؟”
قلت:
“نعم.”
قال:
“احكيلنا عن دور الطفايلة في الثورة العربية الكبرى باللغة الإنجليزية.”
هنا شعرت للحظة أنني دخلت المقابلة الخطأ … بمعنى آخر كاني داخل على معرش بطيخ ولازم اطل بطيخة من اول مره تكون حمرا وحلوة وعلى السكين وإلا بنتهي كل شئ !!
راجعت ذاكرتي سريعاً:
أنا متقدم لوظيفة…
أحمل شهادة جامعية بالقانون …
ولست مؤرخاً…
ولست باحثاً في تاريخ الثورة العربية الكبرى…
وبكل تأكيد لم أكن موجوداً عندما اندلعت الثورة حتى أروي تفاصيل مشاركة أهل الطفيلة فيها ولم اقرأ او ادرس عنها في مناهجنا سواء المدرسية او الجامعية إلا الشئ اليسير .
عندها نظرت إلى اللجنة وقلت ما معناه:
“والله يا جماعة الخير، أنا لم أكن معهم عندما شاركوا في الثورة، وأعتذر منكم على إزعاجكم، وشكراً.”
وخرجت.
خرجت وأنا أكثر اقتناعاً بفكرة قديمة:
هناك فرق كبير بين مقابلة تهدف لاختيار الأكفأ، ومقابلة تهدف لإيجاد سبب لعدم اختيارك.
فالوظيفة التي تبحث عن كفاءة المتقدم تسأله عما يعرفه ،أما الوظيفة التي تبحث عن شخص محدد سلفاً فتسأل الآخرين عما لا يعرفونه.
في الحالة الأولى تكون المقابلة وسيلة للفرز.
وفي الحالة الثانية تكون وسيلة للتبرير.
تكافؤ الفرص لا يعني أن يُدعى الجميع إلى القاعة نفسها،ولا يعني أن يجلس الجميع أمام اللجنة نفسها.
تكافؤ الفرص يعني أن تكون الأسئلة مرتبطة بالوظيفة، وأن تكون المعايير معلنة، وأن يشعر المتقدم عند خروجه أن النتيجة بنيت على كفاءته لا على قدرته في الإجابة عن أسئلة تصلح لمسابقة ثقافية أو لبرنامج “من سيربح المليون”.
فإذا كان المتقدم لوظيفة دبلوماسية مطالباً بأن يعرف تخصصه، ولغته، والسياسة، والتاريخ، والجغرافيا، وتفاصيل الثورات، وتشكيلات الجيوش، وأدوار العشائر والمدن في أحداث وقعت قبل عشرات السنين، فربما كان الأجدر بالجهة المعلنة أن تبحث عن آلة بحث متنقلة لا عن موظف.
ومن يومها أدركت أن بعض الوظائف لا تحتاج إلى إعلان ؛فالإعلان فيها يكون للناس…أما الوظيفة فغالباً تكون قد وجدت صاحبها منذ زمن.
بخاطركوا

