النقد العام والمتراس العشائري

محامي محمد صدقي الغرايبة
في الدول التي تسعى لبناء دولة القانون والمؤسسات، يُعدّ النقد أحد أهم أدوات التصويب والمساءلة، بل هو شرطٌ جوهري لأي عمل عام رشيد. غير أن الإشكالية تبدأ حين يتصدّر بعض الأفراد المشهد العام دون امتلاكهم ثقافة النقد، فيتعاملون مع الملاحظة المهنية بوصفها طعنًا شخصيًا، ومع المساءلة بوصفها إهانة، فتتبدّل المعركة من نقاشٍ حول الأداء إلى صراعٍ على الكرامة.
الأخطر من ذلك، أن يتحول النقد الوظيفي – الذي يجب أن يُناقش بلغة الأرقام والوقائع والمسؤوليات – إلى قضية عشائرية، تُستدعى فيها الروابط الاجتماعية لا لقول الحق، بل لحجب الحقيقة. هنا لا تعود العشيرة إطارًا للقيم والنخوة والعدل، بل تُزجّ في غير موضعها، وتُحمّل عبئًا لا يليق بتاريخها ولا بدورها الاجتماعي.
إن استدعاء العشيرة للدفاع عن أداء عام سواء كان اداءً فاشلاً أو قراراً خاطئاً، لا يحمي الشخص المنتقَد بقدر ما يسيء إليه، ويُسيء قبل ذلك إلى العشيرة ذاتها، حين تُقدَّم وكأنها غطاء للخطأ، أو شريك في تعطيل المساءلة. فالعشيرة، في جوهرها، قامت على حماية المظلوم لا على تبرير الظلم، وعلى نصرة الحق لا على التواطؤ مع الباطل.
المفارقة المؤلمة أن من لا يحتمل النقد غالبًا هو الأبعد عن مفهوم المسؤولية العامة؛ لأن المنصب ليس وجاهة اجتماعية ولا امتيازًا شخصيًا، بل تكليفٌ مؤقت يخضع للتقييم والمساءلة. ومن يتصدى للشأن العام عليه أن يخلع عباءة الحساسية الشخصية، وأن يدرك أن النقد لا ينتقص من قدره، بل يختبر كفاءته.
إن الخلط بين العام والخاص، وبين الوظيفة والعشيرة، يمثل خطرًا مزدوجًا فهو من جهة يفرغ العمل العام من مضمونه الرقابي، ومن جهة أخرى يزجّ بالبنى الاجتماعية في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل. والأسوأ أن هذا السلوك يُشيع ثقافة الخوف من النقد، ويدفع الكفاءات إلى الصمت، ويكافئ الرداءة بالصخب.
الدولة القوية لا تُبنى بعصبياتٍ دفاعية، بل بثقافة مساءلة، وبمسؤولين يدركون أن النقد حق، وأن المنصب زائل، وأن الاحتماء بالانتماءات الضيقة لا يصنع احترامًا ولا شرعية. أما العشيرة، فمكانتها أسمى من أن تكون أداة لتكميم الأفواه أو درعًا لحماية الأخطاء والمخطئين.
فحين يُصان النقد في إطاره الوطني والمهني، وتُعاد العشيرة إلى دورها القيمي والأخلاقي، فقط عندها يمكن أن نخطو خطوة حقيقية نحو دولة تحترم نفسها، وتحترم مواطنيها، وتحترم الحق قبل الأشخاص.
المحامي محمد الغرايبه

