الوطن ليس شعارًا… والوطنية ليست غنيمة

الدكتور عبد المطلب القضاه
من الغباء أن نطلب من إنسان أن يموت من أجل وطنٍ لا يشعر أنه يعيش فيه بكرامة، أو أن نطالبه بالتضحية بكل شيء، بينما تُهدر حقوقه، ويُنتقص من قدره، وتُغلق الأبواب في وجهه لأنه لا يملك واسطة أو منصبًا أو نفوذًا.
الوطن لا يحتاج إلى خطاباتٍ تُقال في المناسبات، بقدر ما يحتاج إلى عدالةٍ يشعر بها المواطن، وكرامةٍ تُصان، وحقوقٍ لا تُمنح بالمحسوبية، ومؤسساتٍ لا تفرّق بين من يملك النفوذ ومن لا يملكه.
والمشكلة ليست في حب الوطن؛ فالوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأقدس من المصالح. المشكلة حين يتحول شعار «الوطنية» إلى وسيلة لإسكات المظلوم، أو مطالبة الفقير وحده بالتضحية، بينما يتسابق أصحاب المصالح بعد الأزمات لتقاسم المكاسب والغنائم.
وحين تندلع الأزمات، يكون الفقراء والبسطاء في مقدمة الصفوف؛ يقدمون أبناءهم وأعمارهم وأمنهم، لأنهم يؤمنون أن الوطن يستحق. لكن السؤال الذي يوجع: ماذا يحصل هؤلاء بعد أن تنتهي الأزمة؟ وهل يجدون وطنًا يرد لهم شيئًا من الجميل، أم يجدون الأبواب قد فُتحت لغيرهم وأُغلقت في وجوههم؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا ليس أن يختلف أبناؤه، وإنما أن يشعر بعض أبنائه بأن حقوقهم قد طُمست، وقدراتهم قد أُهينت، وأن سياسة الانتقاص من الإنسان أصبحت نهجًا عند بعض أصحاب المواقع.
هناك من يفتح الأبواب لمحاسبيه ومقربيه، ويغلقها أمام أصحاب الكفاءة الذين لا ينتمون إلى دائرته. وهناك من يجعل اللجان أداةً لتثبيت من يريد، ويحوّل الصلاحيات إلى امتياز شخصي، وينسى أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن السلطة مهما طال عمرها ستعود إلى صاحبها سؤالًا وحسابًا.
الوطنية الحقيقية ليست أن تطلب من المواطن أن يصمت عن الظلم، بل أن تمنحه الحق في أن يتكلم دون خوف. وليست أن تطلب منه التضحية فقط، بل أن تضمن له ولأبنائه حياةً كريمة ومستقبلًا عادلًا.
نحن لا ندافع عن الوطن لأننا ننتظر مكافأة، بل لأن الوطن وطننا جميعًا. ولكننا نريد وطنًا لا يُطلب منا أن نموت من أجله بينما يموت حقنا فيه ونحن أحياء.
فالوطن لا يخسر عندما يرحل شخص أو مسؤول؛ الوطن باقٍ، والخاسر هو الإنسان إذا ضاعت كرامته وحقوقه.
ولذلك، لا تنتظروا الأغنياء وأصحاب المناصب وحدهم ليدافعوا عن الوطن…
فالوطن في النهاية أهلُه، وأهله الحقيقيون هم الذين يحبونه في الرخاء، ويحموه في الشدة، ويطالبون بإصلاحه عندما يرون الخلل.
فحب الوطن لا يعني الصمت عن أخطائه، بل يعني أن نرفض أن يتحول الوطن إلى مزرعةٍ لأحد، أو أن تصبح حقوق أبنائه غنائمَ يتقاسمها أصحاب النفوذ.

