اليوم العالمي لمحو الأمية.. حقٌّ في المعرفة وبناءٌ للإنسان


الدكتور اشرف الغزو

 

في الثامن من أيلول من كل عام، يحتفي العالم بـ اليوم العالمي لمحو الأمية، وهي مناسبة تتجاوز كونها يومًا للتذكير بأهمية القراءة والكتابة، لتؤكد أن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان، وأن بناء المجتمعات يبدأ من بناء الإنسان القادر على المعرفة والتعلم والمشاركة الفاعلة في الحياة.
إن محو الأمية ليس مسؤولية جهة واحدة، ولا قضية مرتبطة بوزارة التربية والتعليم وحدها؛ بل هو مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، تتكامل فيها جهود الأسرة والمدرسة ومؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لأن مواجهة الأمية تعني مواجهة أحد أهم العوائق أمام التنمية والتقدم والقدرة على مواكبة متطلبات العصر.
وفي الأردن، كان للتعليم منذ تأسيس الدولة الأردنية دور محوري في بناء الإنسان الأردني، وامتدت جهود الدولة لتصل إلى مختلف مناطق المملكة، من خلال التوسع في إنشاء المدارس، وتوفير فرص التعليم، وبرامج محو الأمية وتعليم الكبار، ودعم الفئات التي حالت ظروفها دون الالتحاق بالتعليم في سنواتها الأولى.
ونحن في وزارة التربية والتعليم ومدارسنا الأردنية نؤمن بأن المدرسة لا تقتصر رسالتها على تقديم المعرفة للطلبة داخل الغرف الصفية، وإنما هي مؤسسة تربوية واجتماعية تسهم في نشر ثقافة التعلم، وتعزيز الوعي، وفتح أبواب المعرفة أمام الجميع. فالمدرسة التي تعلّم طالبًا القراءة والكتابة، وتغرس فيه حب العلم، إنما تضع لبنة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وتُعد مدارسنا، بمختلف مواقعها، من المؤسسات الداعمة لهذا التوجه الوطني، من خلال ما تقدمه من برامج وأنشطة ومبادرات تعليمية وتوعوية، وما تقوم به من دور في تعزيز قيمة العلم والتعلم، والتأكيد على أن التعليم لا يرتبط بعمر معين، ولا يتوقف عند مرحلة دراسية محددة، بل هو رحلة مستمرة ترافق الإنسان طوال حياته.
وإذا كان مفهوم الأمية في الماضي يرتبط بصورة أساسية بعدم القدرة على القراءة والكتابة، فإن عالم اليوم يفرض علينا توسيع مفهوم محو الأمية ليشمل الأمية الرقمية، والثقافة المالية، والقدرة على التعامل مع المعلومات والتكنولوجيا، والوعي الصحي والمجتمعي؛ فالتطور المتسارع الذي يشهده العالم يتطلب إنسانًا قادرًا على التعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات.
ومن هنا، فإن الاحتفال باليوم العالمي لمحو الأمية يجب ألا يكون مجرد مناسبة عابرة، بل فرصة لمراجعة ما تحقق، وتعزيز ما هو قائم، والبحث عن وسائل جديدة للوصول إلى كل من لم تتح له فرصة التعليم، أو يحتاج إلى تطوير مهاراته ومعارفه.
وفي هذه المناسبة، نثمّن عاليًا دور وزارة التربية والتعليم ومؤسسات الدولة الأردنية ومختلف الجهات الوطنية التي أسهمت، عبر عقود من العمل المتواصل، في الحد من ظاهرة الأمية في الأردن، وتوسيع قاعدة التعليم، وإتاحة فرص التعلم أمام شرائح واسعة من أبناء المجتمع.
إن الإنجاز الحقيقي في مواجهة الأمية لا يقاس فقط بعدد من تعلموا القراءة والكتابة، بل بعدد الذين أصبحوا أكثر قدرة على الاعتماد على أنفسهم، وأكثر وعيًا بحقوقهم وواجباتهم، وأكثر مشاركة في بناء أسرهم ومجتمعهم ووطنهم.
وفي اليوم العالمي لمحو الأمية، نؤكد أن العلم ليس ترفًا، والقراءة ليست مهارة فحسب، والتعليم ليس مرحلة تنتهي بانتهاء المدرسة؛ بل هو أساس لكرامة الإنسان وتقدّم المجتمع.
وستبقى المدرسة الأردنية، ومعها مؤسسات الدولة والمجتمع، شريكًا أساسيًا في هذه الرسالة النبيلة: أن نفتح أبواب المعرفة أمام الجميع، وأن نجعل التعليم حقًا متاحًا، وأن نبني وطنًا لا مكان فيه لأمية تحول دون الإنسان وتحقيق إمكاناته.
8 أيلول… يوم عالمي لمحو الأمية، ورسالة وطنية متجددة:
بالعلم نواجه الجهل، وبالمعرفة نبني الإنسان، وبالإنسان نبني الوطن.

التعليقات

  1. نضال المومني يقول

    ابدعت دكتورنا المحترم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.