انقلاب بريطانيا على إسرائيل.. تحوّل استراتيجي حقيقي أم مناورة انتخابية عابرة ؟


مهدي مبارك عبدالله

 

 

العلاقات الدبلوماسية بين لندن وتل أبيب تمر في الوقت الراهن بأزمة حادة وغير مسبوقة وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ عقود طويلة جراء سلسلة من الإجراءات العقابية والقرارات السياسية المتبادلة وفي هذا الصدد افتتحت مؤخرا صحيفة فزغلياد الروسية تقريراً استقصائياً موسعاً تحت عنوان لافت حول انقلاب اليهود البريطانيين على إسرائيل وتسليط الضوء على جوهر التصدع المتمدد وتفكيك الدوافع الأيديولوجية والانتخابية الكامنة وراء الموقف البريطاني الجديد حيث يرى المنتقدون داخل العاصمة البريطانية أن السياسات الحالية باتت ترقى إلى مستوى شيطنة الدولة اليهودية وعزلها دولياً بينما ينطلق التحليل المنهجي الهادئ ليفحص طبيعة هذا التحول الجذري في سياسة المملكة المتحدة الخارجية وما إذا كان يعبر عن مراجعة حقيقية لملفات الشرق الأوسط أم أنه مجرد مناورة حركتها رغبات حزبية لاستقطاب كتل انتخابية محددة.

الجذور المباشرة للأزمة المشتعلة بين لندن وتل ابيب تعود إلى القرار المفاجئ للحكومة البريطانية الجديدة برئاسة العمالي آندي بيرنهام بالانتقال من سياق الإدانة اللفظية التقليدية للاستيطان إلى تفعيل مجموعة عقوبات اقتصادية وتجارية فعلية ومباشرة ضد الكيان حيث ترجم وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند هذا التوجه بوصف نفسه بانه يهودياً بريطانياً فخوراً مع توجيه انتقادات حادة لما أسماه إرهاب المستوطنين والتطهير العرقي المستمر في أراضي الضفة الغربية المحتلة وثد أثمر هذا التحول الرسمي في قيام لندن بحظر شامل وكامل في سبتمبر الماضي بوقف استيراد جميع السلع والمحاصيل المزروعة أو المصنعة داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مما شكل صدمة تجارية وسياسية في تل أبيب ونقطة تحول استراتيجية في مسار العلاقات البريطانية الفلسطينية بحسب تقييم البعثة الدبلوماسية للفلسطينيين في لندن.

اللافت ان الخطوة البريطانية قوبلت برد فعل إسرائيلي غاضب وحاسم تمثل في إمهال السلطات البريطانية ثلاثين يوماً لإغلاق قنصليتها العامة في القدس المحتلة بالكامل كإجراء عقابي مضاد يستهدف تحجيم النفوذ الدبلوماسي للمملكة المتحدة حيث تحمل هذه القنصلية رمزية تاريخية وسياسية فائقة تتجاوز مهام البعثات العادية لكونها تعمل بصورة مستقلة عن السفارة البريطانية في تل أبيب وتؤدي فعلياً دور سفارة المملكة المتحدة لدى فلسطين عبر قنوات اتصال مباشرة مع قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله وقد دفعت هذه المكانة الجغرافية للقنصلية الجانب البريطاني إلى الرفض القاطع لقرار الإغلاق مستندين إلى حجتين أساسيتين تتمثلان في ملكية بريطانيا للمبنى الواقع بالقدس الشرقية وغياب السيادة القانونية للاحتلال على تلك المنطقة المحتلة وفق التوصيف الراسخ لوزارة الخارجية البريطانية.

عمليا قبيل انتهاء المهلة الإسرائيلية بلحظات في أكتوبر الحالي لعام ألفين وستة وعشرين توصل الطرفان إلى صيغة توافقية مؤقتة أعلن بموجبها ميليباند مغادرة عشرين دبلوماسياً بينهم القنصل العام لأسباب أمنية مع تحويل وضع البعثة إلى مكتب تمثيلي يضم سبعة موظفين فقط بصلاحيات محدودة حيث خلق هذا المخرج الدبلوماسي لاحقا حالة من التنازع الفكري والسياسي حين أعلنت إسرائيل نجاحها في وقف عمل القنصلية بينما تصر لندن على أنها لم تغلق أبوابها رسمياً وانها تتحين الفرص اللوجستية لاستعادة وجودها الكامل وفي الواقع توضح المؤشرات الفنية أن غياب الضمانات الأمنية لحماية الموظفين دون اتفاق مسبق مع سلطات الاحتلال يمثل ثغرة بنيوية مرشحة لتجديد التصعيد وتفجير الخلاف من جديد بين لندن وتل أبيب بشأن طبيعة عمل المكتب التمثيلي في المرحلة القادمة.

الجبهة الثانية لارتدادات الأزمة الدبلوماسية تشكلت داخل أروقة المعارضة البريطانية من خلال حزب الخضر الذي يحظى بتأييد لافت يصل إلى أحد عشر بالمائة من كتل الناخبين وفقاً لأحدث استطلاعات مؤسسة يوغوف الدولية لأبحاث السوق وتحليل البيانات عبر الإنترنت حيث صوّت الحزب في مؤتمره العام المنعقد بمدينة برايتون لصالح قرار تاريخي يصنف الصهيونية كشكل من أشكال العنصرية وحركة قومية إثنية ترتبط بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية بحسب تصريحات نائب رئيس الحزب موثين محمد علي وقد أثار هذا القرار حفيظة وزارة الخارجية الإسرائيلية التي ردت فوراً بمنع زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي من دخول الأراضي المحتلة مع توجيه اتهامات حادة للحزب بتبني أيديولوجيا حركة حماس القائمة على تفكيك الكيان وإضفاء الشرعية على العنف.

التحليل المنهجي والمنطقي للأحداث يبرهن على أن بريطانيا كانت هي الطرف المبادِر بتصعيد العلاقات مع إسرائيل سواء عبر قرارات الحزب الحاكم أو من خلال أطروحات قوى المعارضة الليبرالية واليسارية التي تدعو علناً لتشديد السياسات العقابية حيث يدفع زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي وهو ايضا يهودي بريطاني يرفض الصهيونية باتجاه تجميد العلاقات الدبلوماسية بالكامل ووقف إمدادات الأسلحة وإلغاء الاتفاقية التجارية المبرمة بين لندن وتل أبيب كما توضح هذه الحركية السياسية أن ما يجري في الساحة البريطانية ليس مجرد حادث عرضي بل هو توجه بنيوي يعكس رغبة القوى التقدمية والليبرالية في قيادة حراك دولي يفرض معايير صارمة على سلوك إسرائيل العسكري في المنطقة.

بعض الخبراء والمحللين السياسيين يرون ان التشدد البريطاني المفاجئ يرتبط بعاملين رئيسيين يفسران خلفيات الانقلاب الدبلوماسي يذهب أولهما نحو التموضع الجديد للمملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي البريكست حيث تسعى لندن لتقديم نفسها كحارس دولي للمنظومة الليبرالية وقيم حقوق الإنسان وفي هذا الشأن يرى الباحث سيرغي شين من المدرسة العليا للاقتصاد في روسيا أن الصور الوردية للنظام الدولي الليبرالي التي تروج لها لندن تصطدم كلياً مع المشاهد الواقعية للمباني المدمرة بالكامل في قطاع غزة والتقارير التي توثق معاناة المدنيين جراء عدوان السنوات الثلاث الأخيرة حيث يدفع هذا التناقض الأخلاقي القوى الليبرالية البريطانية لمحاولة تولي زمام المبادرة الدولية في حماية القيم الإنسانية وبخاصة في الأوقات التي تشهد تراجعاً أو انكفاءً في دور الحماية التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية.

أما السبب الثاني والأساسي فيقبع في الحسابات السياسية والخرائط الانتخابية للأحزاب الليبرالية واليسارية البريطانية التي تركز بشكل مباشر على استقطاب كتل الناخبين المسلمين والشباب التقدميين المناصرين للقضية الفلسطينية في الدوائر الحيوية حيث تشهد الحالة الديموغرافية والسياسية في المدن البريطانية الكبرى نوعاً من التمازج غير التقليدي بين المكون المسلم المتنامي الذي يشكل ما بين عشرة إلى خمسة عشر بالمائة من السكان وبين الخطاب الليبرالي التقدمي الرافض لسياسات التطهير العرقي وهذا المزيج الأيديولوجي والعددي يخلق ثقلاً تفاوضياً وانتخابياً هائلاً يجبر قادة الأحزاب على تبني مواقف حادة ضد الكيان الصهيوني لضمان الفوز بالأغلبية في الدوائر الفردية التي يعتمد عليها النظام الانتخابي البريطاني .

الصورة العملية لهذا التناقض والتنافس الانتخابي ظهرت في نتائج الانتخابات التكميلية التي جرت في الثامن من أكتوبر الجاري بدائرة هولبورن وسانت بانكراس في لندن وهي الدائرة التاريخية التي كان يمثلها سابقاً رئيس الوزراء كير ستارمر حيث شهدت الدائرة فوزاً كبيراً لمرشحة حزب العمال ساغال عبدي والي وهي مرشحة مسلمة من أصل صومالي نجحت في حصد الأصوات والحصول مع منافسها زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي على أغلبية ساحقة بلغت ثمانية وسبعين بالمائة من مجمل أصوات الدائرة كما تؤكد البيانات التحليلية أن تقدم مرشحة العمال واستعادتها لتأييد المجتمعات المسلمة جاء نتيجة مباشرة لقرار رئيس الوزراء آندي بيرنهام بفرض العقوبات التجارية وحظر بضائع المستوطنات لاستعادة القواعد الشعبية اليسارية التي فقدها الحزب في السنوات الماضية.

في المقابل قد يسفر هذا التشدد الدبلوماسي البريطاني عن خسائر سياسية مباشرة تفقد لندن أدوات التأثير الفعلي والوساطة في ترتيبات الشرق الأوسط المستقبلية بعد أن قررت إسرائيل استبعادها بشكل كامل من المركز الدولي المعني بقطاع غزة في مدينة كريات غات وقد عبر مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون عن هذا الموقف المانع بالقول إنه لا يمكن للمملكة المتحدة المطالبة بتعزيز الحوار وبناء التفاهمات الإقليمية في الوقت الذي تفرض فيه عقوبات تجارية أحادية على أحد أطراف الصراع وهذا الانكشاف السياسي يوضح جليا أن بريطانيا تتبنى اليوم مواقف تزيد في حدتها عن مواقف شركائها العرب في المنطقة مثل الأردن والسعودية الذين يتعاملون مع ملف العلاقات بقدر أعلى من التوازن والواقعية السياسية لحفظ استقرار الممرات المائية وسلاسل الإمداد المتنوعة .

بالتحليل المعمق للوقائع يتضح لنا أن صراع الإرادات الدبلوماسية بين لندن وتل أبيب بات يمثل نموذجاً لتبدل معادلات القوة الناعمة وتأثير الوعي الشعبي للأقليات الحية على صياغة القرارات السيادية للدول الكبرى في العالم الغربي وإن قدرة القواعد الانتخابية المسلمة والشبابية على تحريك مواقف حزبي العمال والخضر تفرض واقعاً سياسياً جديداً يحد من قدرة اللوبيات الصهيونية التقليدية على فرض الصكوك المفتوحة لحماية الاحتلال وتأمين صفقات السلاح المشبوهة كما ان هذه الديناميكية تظل مرشحة للتصاعد والتدحرج نحو مراجعة شاملة للاتفاقيات التجارية المبرمة بين بريطانيا وإسرائيل ما لم تشهد السياسة العسكرية الإسرائيلية تراجعاً ملموساً ينهي حرب الإبادة في غزة ويفتح المعابر الإنسانية بضمانات دولية حقيقية.

خلاصة القول : كافة الحقائق المجردة للمعطيات الميدانية والسياسية تظهر أن انقلاب بريطانيا على إسرائيل اصبح يمثل مزيجاً معقداً يجمع بين التحول الأيديولوجي الحقيقي لحراسة المبادئ الليبرالية وبين الحسابات الانتخابية البراغماتية الصارمة لاستقطاب أصوات الكتل المسلمة والتقدمية الصاعدة وإن نجاح الحكومة البريطانية في كسر النمطية الدبلوماسية عبر حظر بضائع المستوطنات يضع توازنات المنطقة أمام واقع جديد يؤكد أن ثمن استمرار سياسات الإكراه وتوسيع البؤر الاستعمارية غير القانونية بات مكلفاً جداً في عواصم القرار الغربي والعلاقات الدولية ستبقى خاضعة لتجاذبات الداخل وضغوط الشعوب الواعية التي ترفض تسييس القيم الإنسانية بانتظار بلورة جبهات دبلوماسية وسيادية جديدة تحترم القوانين والمواثيق الأممية وتنهي عقود طويلة من التغول والعدوان .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.