بعد فشل الخيار العسكري.. هل يستطيع ترامب بناء جبهة دولية ضد إيران ؟


مهدي مبارك عبدالله

على قدم وساق يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه المرحلة الدقيقة المليئة بالتصعيد العسكري والانسداد الدبلوماسي إلى إعادة صياغة قواعد المواجهة المباشرة مع طهران عبر طرح أزمة الشرق الأوسط ضمن معادلة ثلاثية متوالية ومفخخة الأركان تجمع بين ( إيران وسوق الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي ) بهدف نقل عتبة الصراع وتطوراته الميدانية من مجرد نزاع أمريكي إيراني ثنائي محصور في مياه الخليج الى تحويله إلى قضية أمنية دولية تهم العواصم الكبرى كافة .

هذا التكتيك الاستراتيجي الترامبي يهدف بالأساس إلى إقناع المجتمع الدولي والشركاء التجاريين بأن الخطر الإيراني والتحكم في مضيق هرمز لم يعد يهدد المصالح الأمريكية فحسب بل بات يمثل تهديداً وجودياً ومباشراً لسلاسل الإمداد العالمية وعصب الطاقة النقدي الذي يتوقف عليه استقرار الأسواق وحياة ملايين البشر في أوروبا وآسيا ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري حول مدى قدرة واشنطن على توظيف هذه الرؤية الثلاثية لبناء جبهة دولية متماسكة قادرة على خنق طهران وإجبارها على الانصياع دون الحاجة لخوض مغامرة عسكرية شاملة غير مضمونة النتائج قد تفجر المنطقة برمتها.

وفقا لهذا التصور تتبلور سيناريوهات النجاح المحتملة لخطط ترامب في حال تمكنت الإدارة الأمريكية للنفط على الامتثال التام لسلاح العقوبات الأحادية وتشديد طوق الحصار البحري والجوي المفروض على الموانئ الإيرانية الا إن تحقق هذا السيناريو يتطلب بالضرورة نجاح واشنطن في تقديم بدائل آمنة ومستقرة لتعويض النقص الحاد في إمدادات الخام بالتعاون مع منتجي الطاقة الإقليميين بالإضافة الى توفير ضمانات ائتمانية لشركات التأمين البحري التي أصبحت ترفض تغطية السفن والناقلات العابرة للممرات المائية الساخنة جراء الهجمات المستمرة وفي حال نجحت هذه المقاربة ربما تجد إيران نفسها مجبرة على التراجع عن شروطها الحالية والقبول بفتح مضيق هرمز والعودة لطاولة المفاوضات تحت وطأة الاختناق المالي الداخلي الذي يهدد استقرارها السياسي ومكتسباتها الإقليمية.

على الجانب الآخر تقف سيناريوهات الفشل كجدار استراتيجي صلب يتحطم فوقه الرهان الأمريكي نتيجة الشلل الاقتصادي والارتدادات العكسية التي بدأت تضرب الأسواق العالمية وتدفع بأسعار خام برنت لتتجاوز عتبة المائة وسبعة دولارات للبرميل خاصة عقب الرفض الرئاسي الأخير للمبادرة السلمية الإيرانية كما إن عجز ترامب عن ضبط أسعار الوقود يشكل المقتل الحقيقي لاستراتيجية الضغط الأقصى حيث بدأت بعض الدول الأوروبية الكبرى والآسيوية تضيق ذرعاً بكلفة الحرب غير المباشرة وتطالب علناً بوقف العمليات العسكرية وتجنب الانزلاق اكثر نحو ركود اقتصادي عالمي شامل يهدد الاستقرار النقدي والمالي لبلدانها وان هذا الانقسام الدولي المتنامي يثبت بوضوح أن محاولة تدويل الحصار قد تؤدي إلى عزل السياسة الأمريكية نفسها وإظهار واشنطن كطرف مسؤول عن تجويع الشعوب وتخريب حركة التجارة البحرية الدولية لتحقيق أهداف انتخابية ضيقة.

الواقع الميداني الحالي يثبت جليا أن مضيق هرمز قد تحول بفضل العقيدة العسكرية الإيرانية الصارمة إلى ورقة تفاوضية عليا ورابط شرطي لا يقبل التفكيك بين حرية الملاحة الدولية ورفع الحصار الاقتصادي والبحري المفروض على موانئها الوطنية وإن إصرار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن بلاده لن تتراجع عن شروطها السيادية يعكس قناعة راسخة لدى القيادة في طهران بأن التنازل عن إذن المرور والتحكم في المسارات الملاحية للمضيق يعني تجريد الدولة من أقوى أوراق قوتها الدفاعية الردعية وهذا التصلب الإيراني المسنود بتأييد كامل من المرشد الأعلى يبطل تماما فاعلية التهديدات اللفظية الأمريكية ويوضح أن فرض السيطرة على هذا الشريان النفطي العالمي بالقوة العسكرية المجردة دون الحل التفاوضي العادل هو محض أوهام تسويقية يبيعها البيت الأبيض لجمهوره اليائس .

في المقابل ان الخيارات العسكرية الأمريكية البعيدة عن الدبلوماسية والمفاوضات تقف عاجزة تماماً عن إرغام إيران على قبول الشروط المذلة أو فتح الممر المائي دون دفع ثمن سياسي واقتصادي باهظ لا تقوى الإدارة الامريكية الحالية على تحمله كما ان القصف الجوي وحملات التدمير الاستباقية التي يلوح بها ترامب ضد المنشآت الحيوية والنووية لن تؤدي إلّا إلى تسريع وتيرة المواجهة غير المتكافئة واشتعال جبهات مساندة متعددة قد تمتد من البحر الأحمر إلى مرافئ الطاقة الحليفة لواشنطن في المنطقة وإن توازن الرعب الميداني الجديد الذي فرضته الصواريخ الباليستية وأسراب المسيرات الانتحارية الإيرانية يجعل من خيار الإكراه العسكري المجرد مغامرة انتحارية ستكلف الاقتصاد العالمي خسائر تريليونية وقد تفقد أمريكا نفوذها المتبقي في الشرق الأوسط بشكل نهائي وصادم .

دوليا يمثل الموقف الصيني الحازم الركيزة الأساسية لإفشال الجبهة العالمية التي يحاول ترامب بناءها ضد ايران حيث تواصل بكين شراء النفط الإيراني وتقديم الدعم المالي والتقني لطهران عبر قنوات مصرفية موازية وخارجة عن سيطرة نظام سويفت حيث ترى القيادة الصينية في الحصار الأمريكي على إيران محاولة واضحة لتطويق نفوذها الاقتصادي المتنامي في آسيا الوسطى والشرق الأوسط ولذلك فهي لن تسمح بسقوط طهران أو تفكيك برنامجها النووي الذي يشكل ثقلاً موازناً للهيمنة الأمريكية الأحادية وهذا الدعم الشرقي المستمر يمنح الاقتصاد الإيراني الرئة البديلة للتنفس والصمود ويسقط جميع مفاعيل جبهة التدويل التي يريد البيت الأبيض فرضها بقوة الترهيب المالي العابر .

الموقف الروسي ايضا يتحرك بذات الاتجاه المعاكس للمصالح الأمريكية حيث توظف موسكو الأزمة الراهنة لتعزيز تحالفها العسكري والاستراتيجي مع طهران والعمل على بناء منظومة أمن جماعي بديلة في الخليج ترفض الوجود العسكري الغربي كما يرى الكرملين في تدويل الأزمة فرصة ذهبية مواتية لاستنزاف القدرات العسكرية والدبلوماسية للولايات المتحدة وإشغالها في جبهة الشرق الأوسط الملتهبة لتعزيز حضورها الجيوسياسي لتقليل الضغط الدولي المفروض عليها في الجبهات الأوروبية وهذا التنسيق الروسي الإيراني المتقدم على الصعد العسكرية والسيبرانية يحرم واشنطن من إجماع مجلس الأمن الدولي ويجعل من العقوبات الأمريكية مجرد إجراءات أحادية معزولة تفتقد للشرعية الدولية الكاملة.

أما في الجانب الأوروبي فمعظم العواصم تعيش حالة من الذعر الحقيقي جراء ارتفاع تكاليف شحن الطاقة والزيادات القياسية في أسعار وقود الطائرات والديزل التي تسببت في إفلاس شركات طيران محلية كبرى ودفعت بالاتحاد الأوروبي للتحذير من حدو أزمة أسعار خانقة تهدد الاستقرار المعيشي للمواطنين كما إن الحلفاء التقليديين لأمريكا في القارة العجوز باتوا يدركون أن سياسة ترامب القائمة على حافة الهاوية تخدم فقط الأجندة الانتخابية لجمهوريي واشنطن بينما تدفع الشعوب الأوروبية الثمن الأكبر من أمنها الاقتصادي واللوجستي وان استمرار هذا التململ الأوروبي الصامت يعرقل جهود البيت الأبيض لتشكيل حلف بحري دولي حقيقي لحماية السفن في مضيق هرمز بعد رفض عدة دول إرسال قطعها البحرية خشية الاستهداف من القوات الإيرانية.

كذلك فان الدول الإقليمية الحليفة لواشنطن باتت تواجه معضلة استراتيجية كبرى في الموازنة بين شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة وبين ضرورات الجوار الجغرافي والاقتصادي مع إيران التي أثبتت قدرتها على قصف منشآت ومطارات الجوار في حال استُخدمت كقواعد للعدوان عليها وإن تعليق بعض العواصم لرحلاتها الطيران وإغلاق مجالاتها الجوية خلال جولات التصعيد الأخيرة يعبر عن رغبة إقليمية عارمة في النأي بالنفس عن جنون ترامب العسكري وعدم التحول إلى دروع بشرية أو ساحات لتصفية الحسابات بين الكبار وهذا الانكفاء الإقليمي يحرم القوات الأمريكية من الحاضنة اللوجستية والجغرافية الضرورية لنجاح جبهتها الدولية ويبقيها وحيدة في مواجهة أسراب المسيرات والصواريخ الذكية.

اللافت ان تفاصيل المحادثات الخلفية والوساطات المستمرة التي تقودها سلطنة عمان وقطر في كواليس نيويورك تكشف أن خيار الدبلوماسية يظل المخرج الوحيد القابل للتطبيق لتفادي كارثة الحرب الشاملة ورغم إعلان ترامب العلني رفضه للمقترح الإيراني الأخير الا إن هذا الرفض الرئاسي يندرج ضمن أسلوب فن الصفقة المعتاد الذي يتقنه ترامب لرفع سقف المطالب وانتزاع تنازلات اللحظات الأخيرة قبل الدخول في مفاوضات حقيقية ومتوازنة تحترم شرف وعدالة الحقوق الإيرانية المحقة خاصة وان التاريخ القريب يثبت دائما أن واشنطن تضطر في النهاية للجلوس والتفاوض مع الخصوم الأقوياء الذين يملكون زمام السيطرة الميدانية الفعالة فوق المياه والممرات الاستراتيجية.

الامر الاهم في مسألة الحسم بقاء تمسك إيران بالحق الكامل في التخصيب السلمي لليورانيوم ورفضها شحن مخزونها الاستراتيجي إلى الخارج والتأكيد على أن عقيدة الردع النووي والسيادي لدى طهران قد وصلت إلى مرحلة النضج البنيوي العصي على التفكيك أو التراجع تحت وطأة التهديدات الصوتية حيث تدرك القيادة الإيرانية المشتركة أن الاستسلام للشروط الأمريكية السابقة يعني الانتحار السياسي وتفكيك عناصر القوة الوطنية التي تحمي كيان الدولة ولذلك فإن الرهان على تراجع طهران بسبب الحصار الاقتصادي هو رهان ساقط سلفا ولا يأخذ بعين الاعتبار المناعة الاستراتيجية طويلة الأمد التي طورتها الأمة عبر عقود من الحصار والحروب المفروضة عليها .

امام هذه التصورات الصلبة لابد من الفهم الكامل بان التنسيق العسكري المتقدم بين إيران وحلفائها في محور المقاومة وبخاصة في جبهة البحر الأحمر وباب المندب يمثل عامل ضغط إضافي يشتت القدرات البحرية الأمريكية والدولية ويفشل مخططات حصر الصراع في جغرافيا واحدة وإن قدرة هذا المحور على ضرب خطوط الملاحة واستهداف السفن المرتبطة بالمصالح الأمريكية والصهيونية يحول المواجهة إلى حرب مضائق عالمية شاملة ترفع كلفة التأمين البحري إلى مستويات جنونية تشل حركة التجارة الدولية برمتها وتجعل من فكرة بناء جبهة دولية ضد إيران كلفة باهضه جدا لا يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل تبعاتها الكارثية المستدامة.

خلال مواصلة التحليل العميق يتضح لنا أن ترامب يمارس مناورة خطيرة لربط الأزمة بأسواق الطاقة العالمية لفرض شروطه بالقوة لكنه قد يسقط في فخ حساباته الخاطئة التي تتجاهل امكانية صمود الاقتصاد الإيراني وقدرة طهران على قلب الطاولة عليه وفرض واقع ميداني جديد يخضع لسلطتها المباشرة سيما وان إن التفوق العسكري الأمريكي التقليدي لم يعد كافياً لحسم صراعات الجيل الجديد وحروب المستضعفين التي تعتمد على المسيرات الرخيصة والتخريب السيبراني والاختراقات الذكية مما يجعل من بناء الجبهة الدولية مجرد فقاعة إعلامية تفتقد للمقومات الفعلية والقدرة على الصمود في وجه التحديات المتصاعدة .
الاستنتاج الصارم والمزلزل يبرز في السياق كرسالة استراتيجية حاسمة موجهة إلى البيت الأبيض وللرئيس ترامب تحديداً لترسم له حدود القوة الميدانية وتؤكد بلغة اليقين السياسي العاري أن إيران مهما بلغ التصلب والتشدد الأمريكي ومهما بلغت الضغوط والحصارات الاقتصادية والتهديدات بالإبادة لن تتراجع أبداً عن مطالبها وشروطها المحقة والسيادية في الملف النووي أو في فتح وإدارة مضيق هرمز الاستراتيجي وفق مصالحها وقوانينها الوطنية .

ختاما : التاريخ لا يصنعه بلطجية نوادي القمار وصالات الرويلت امثال ترامب الذي يظن أن بمقدوره تركيع الأمم الحية ببيانات وتهديدات جوفاء وعقد صفقات تجارية رخيصة بل تصنعه إرادة الشعوب المتجذرة في أرضها والقابضة على زناد الدفاع عن كرامتها السيادية وعلى ترامب ان يعلم يقيناً أن جبهته الدولية المزعومة ستتحطم كلياً فوق صخور الكبرياء والشموخ الإيراني وأن محاولاته اليائسة لفرض واقع مالي وسياسي أحادي بالقوة والترهيب بعيدا عن المسارات الدبلوماسية العادلة والشريفة لن يحصد منها سوى الهزائم النكراء والانكفاء المذل في مياه الخليج لتبقى الجغرافيا لأصحابها الشرعيين رغماً عن أنف الغطرسة الأمريكية التي تقود العالم نحو الهاوية والدمار الشامل .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gm

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.