بلجيكا تكسر جدار الصمت الأوروبي وتضع إسرائيل في قفص القانون الدولي

مهدي مبارك عبدالله
لطالما اتسمت العلاقات البلجيكية الإسرائيلية بمزيج معقد من البراغماتية السياسية والانتقاد الحقوقي حيث حافظت بروكسل تاريخيا على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع تل أبيب مقابل موقف مبدئي معلن من الاحتلال والاستيطان وانتهاكات حقوق الإنسان غير أن حرب الإبادة على غزة شكّلت نقطة تحوّل حاسمة نقلت بلجيكا سريعا من مربع الإدانة اللفظية إلى خانة الفعل السياسي والقانوني الصريح في انسجام نادر بين الموقف الشعبي الغاضب والموقف الرسمي المتقدم
منذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة خرج الشارع البلجيكي بمظاهرات حاشدة غير مسبوقة شملت النقابات والجامعات والبلديات الكبرى ورافقتها موجة ضغط مدني وإعلامي دفعت مؤسسات أكاديمية إلى قطع علاقاتها مع نظيراتها الإسرائيلية كما اتخذت بلديات بارزة قرارات بإنهاء أي تعاون رسمي مع الاحتلال في مشهد يعكس تحولا عميقا في الوعي الجمعي البلجيكي تجاه فلسطين بوصفها قضية عدالة لا نزاعا سياسيا عابرا
في هذا السياق جاء قبل ايام قليلة المرسوم الملكي البلجيكي القاضي بحظر توقف وعبور الطائرات التي تنقل معدات عسكرية إلى إسرائيل ليشكّل سابقة نوعية في قلب أوروبا إذ لم تكتف بروكسل بتعليق تصدير الأسلحة بل أغلقت مجالها الجوي ومطاراتها أمام سلاسل التوريد العسكرية المتجهة لدعم القدرات الحربية الإسرائيلية في خطوة تحمل دلالات قانونية وأخلاقية وسياسية بالغة العمق وتستند صراحة إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات منع الإبادة الجماعية
اتخاذ هذا القرار في هذا التوقيت لم يكن صدفة بل جاء نتيجة تراكم عوامل أبرزها حجم الجرائم الموثقة في غزة والانخراط البلجيكي المباشر في المسار القضائي الدولي عبر الانضمام إلى دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد قيادات اسرائيلية بارزة إضافة إلى إدراك بروكسل أن الصمت أو الحياد بات يرقى إلى مستوى التواطؤ خاصة في ظل تحذيرات أممية من المجاعة والتطهير العرقي والانهيار الكامل للبنية المدنية الفلسطينية
القرار البلجيكي يعني عمليا تقييد أحد شرايين الدعم اللوجستي غير المباشر لإسرائيل ويضع سابقة قانونية يمكن البناء عليها أوروبيا حيث لم يعد الأمر مقتصرا على التصدير المباشر للسلاح بل شمل العبور والنقل والخدمات اللوجستية وهو ما يفتح الباب أمام مساءلة أوسع للشركات وشبكات الشحن والتأمين ويحوّل المجال الجوي والبنية التحتية الأوروبية إلى ساحة امتثال قانوني لا ممر آمن للعدوان الاسرائيلي
تل أبيب من جهتها استقبلت الخطوة بغضب مكتوم حيث تدرك أن الخطر لا يكمن في الأثر العسكري المباشر المحدود بل في العدوى السياسية والقانونية التي قد تنتقل إلى دول أخرى وتحوّل إسرائيل تدريجيا إلى دولة منبوذة عسكريا وأخلاقيا كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا فالقوة العسكرية الإسرائيلية قائمة على تفوق نوعي ودعم غربي متواصل وأي تصدع في هذا الدعم ولو جزئيا يراكم أثرا استراتيجيا بعيد المدى في كا مفاصل الدولة العبرية
عسكريا قد لا يوقف القرار البلجيكي الحرب لكنه يوجّه ضربة معنوية وقانونية قوية ويكشف هشاشة السردية الإسرائيلية التي تزعم احترام القانون الدولي كما يضعف شبكة الإمداد المتعددة الجنسيات ويزيد كلفة الحرب سياسيا واقتصاديا ويعمّق عزلة إسرائيل داخل الفضاء الأوروبي
فلسطينيا وعربيا يمكن استثمار الموقف البلجيكي كنقطة ارتكاز لبناء تحالف ضغط دولي يطالب بحظر شامل لتصدير ونقل السلاح وملاحقة الشركات المتورطة وتفعيل الولاية القضائية العالمية كما يشكّل القرار أداة خطابية وقانونية لتعزيز الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية وإعادة تعريف الصراع بوصفه قضية تحرر من استعمار استيطاني لا نزاعا أمنيا
دوليا يبعث الموقف البلجيكي رسالة واضحة مفادها أن احترام القانون الدولي ليس انتقائيا وأن الدول المتوسطة الحجم قادرة على لعب أدوار مفصلية حين تمتلك الإرادة السياسية وهو ما يعيد الاعتبار لفكرة النظام الدولي القائم على القواعد في مواجهة منطق القوة والإفلات من العقاب
القرار البلجيكي بحظر عبور ونقل المعدات العسكرية إلى إسرائيل ليس فعلا رمزيا بل واجب قانوني وأخلاقي ينسجم مع الالتزامات الدولية في منع الإبادة الجماعية وحماية المدنيين وإن استمرار تزويد الاحتلال بالسلاح أو تسهيل نقله يجعل الدول المتورطة شريكة في الجريمة بالصمت أو بالفعل
ضمن هذا الاطار جميع دول العالم مدعوة إلى اتخاذ خطوات مماثلة تبدأ بحظر شامل لتصدير ونقل وعبور الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام العسكري إلى إسرائيل وتشمل مراجعة الاتفاقيات العسكرية والأمنية وتعليق التعاون مع الشركات المتورطة في دعم آلة القتل الاسرائيلية بالإضافة الى ضرورة تفعيل آليات المحاسبة الدولية ودعم المسارات القضائية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وعدم الرضوخ للضغوط السياسية التي تهدف إلى حماية مجرمي الحرب من العدالة لان محاصرة إسرائيل قانونيا وأخلاقيا واقتصاديا هي الطريق الأقصر لوقف عدوانها المتواصل على أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة وهي مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل فالتاريخ لا يرحم المتواطئين والعدالة لا تسقط بالتقادم
اخيرا : يمكن القول ان بلجيكا فتحت الباب وعلى العالم أن يقرر إن كان سيعبره خلفها ويقتدي بموقفها أم سيبقى شريكا في الجريمة الممتدة بحق شعب اعزل
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

