ترند الثمانينيات.. حنين أم نكوص؟

د. عاطف القاسم الشواشرة
=
منذ فترة، اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي ترند لافت؛ صور لأشخاص اليوم، لكن بملامح الثمانينيات: الملابس القديمة، تسريحات الشعر، ألوان الصور، السيارات، وحتى خلفيات البيوت والشوارع. وكأننا لم نعد نكتفي بتذكر الماضي، بل أصبحنا نريد أن نعيش فيه ولو بصورة.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد موضة عابرة أو لعبة تقنية، لكن خلف هذا الإقبال الجماعي على استعادة صورة الثمانينيات شيء يستحق التأمل النفسي.
لماذا الثمانينيات تحديدًا؟ ولماذا يشعر بعض الناس براحة عندما يرون أنفسهم كما لو كانوا يعيشون في تلك الحقبة؟
أحد التفسيرات النفسية الممكنة هو النكوص (Regression)، وهو أحد ميكانيزمات الدفاع التي تحدث عندما يواجه الإنسان ضغوطا أو قلقا، فيعود بصورة مؤقتة إلى أنماط أو خبرات مرتبطة بمراحل سابقة من حياته كانت أكثر أمانًا وطمأنينة. وليس المقصود هنا أن الإنسان “يتحول إلى طفل”، وإنما قد يستعيد رموزًا ومشاعر وسلوكيات ارتبطت لديه بمرحلة شعر فيها بالحماية والانتماء والاستقرار.
لكن الأمر لا يتوقف عند النكوص ، هناك ما يسمى الحنين إلى الماضي (Nostalgia)، وهو استدعاء عاطفي لذكريات وتجارب سابقة، وقد يمنح الإنسان شعورا بالاستمرارية والدفء والهوية. ولذلك قد لا تكون الصورة القديمة مجرد صورة، إنها أحيانا استدعاء لبيت كان موجودا، ووالدين كانا أصغر سنا، وأصدقاء لم تفرقهم الحياة بعد، وأيام لم تكن المسؤوليات فيها بهذا الثقل.
ومن زاوية أخرى، يمكن فهم الظاهرة من خلال تنظيم الانفعالات. فعندما يبدو الحاضر سريعا، مضطربا ومثقلا بالأخبار والضغوط، قد يبحث العقل عن مصادر مألوفة تمنحه شعورا بالاستقرار. تصبح الموسيقى القديمة، والأزياء، والأفلام، وحتى شكل الصورة، محفزات انفعالية تستدعي مشاعر أكثر راحة.
ولعل المفارقة الجميلة أن كثيرا ممن يستعيدون الثمانينيات لا يستعيدون الزمن نفسه بقدر ما يستعيدون الإحساس الذي كان مرتبطا بذلك الزمن ، ونسخة من أنفسهم كانت أقل قلقا وأكثر تلقائية. ولذلك قد تكون صورة واحدة بتأثير قديم قادرة على أن تفتح في الذاكرة أبوابا لا تستطيع عشرات الكلمات فتحها.
ومع ذلك، علينا ألا نبالغ في التفسير النفسي لكل ظاهرة اجتماعية. ليس كل من استخدم ترند الثمانينيات يعاني من ضغوط أو يمارس النكوص ، وليس كل حنين علامة على عدم الرضا عن الحاضر. أحيانا تكون المسألة ببساطة متعة وفضولا واستعادة جميلة للذاكرة، إضافة إلى تأثير التقليد الاجتماعي وانتشار الترند والرغبة في المشاركة.
لذلك، لا أرى في صور الثمانينيات مجرد عودة إلى موضة قديمة ، ربما هي، في جانب منها، زيارة قصيرة إلى ذواتنا القديمة… قبل أن نعود إلى حاضرنا الذي أرهق كل شيء.
د. عاطف القاسم الشواشرة
استشاري نفسي تربوي

