تعديلات الضمان ومتوسط الأعمار وسن التقاعد في أوروبا وأمريكا..!

د. مفضي المومني
في التسويغ لتمرير تعديلات الضمان، طرح الوزير وغيره من المسؤولين أن سن التقاعد في الكثير من دول العالم هو 67 سنة… وهذا صحيح… لكنهم أغفلوا عمداً أن متوسط الأعمار في هذه الدول يزيد عن 80–84 عاماً! وأن هذه الدول نسبة كبار السن فيها عالية مقارنة بالشباب… وتوصف بالمجتمعات العجوزة إن صح التعبير، مع الأخذ بعين الاعتبار صغر حجم العائلة (1–2 غالباً).
ونؤمن بأن الأعمار بيد الله… ولكن كل دول العالم لديها إحصائيات وأرقام يعتمد عليها في التخطيط، ورسم السياسات، وقوانين الضمان الاجتماعي.
في الأردن تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن متوسط العمر المتوقع عند الولادة حوالي 75.3 سنة وفق تقديرات نهاية عام 2024، مع تسجيل معدلات أعلى للإناث مقارنة بالذكور (حوالي 73.8–76.2 سنة)، حيث تشير التقديرات أيضاً إلى أن كبار السن (60 سنة فأكثر) يشكلون حوالي 5.5% من إجمالي السكان البالغ نحو 11.7 مليون نسمة… من هنا، يوصف المجتمع الأردني بأنه مجتمع شاب أو فتي، لأن كبار السن فوق 60–65 سنة نسبتهم قليلة بالمقارنة مع الشباب.
وتشير إحصائيات أخرى لمتوسط الأعمار في الأردن:
متوسط العمر لكلا الجنسين: يتراوح بين 74 إلى 75.3 سنة في أحدث التقارير الرسمية لعامي 2024 و2025، والفروقات بين الجنسين لصالح الإناث في العيش سنوات أطول من الذكور، وتختلف قليلاً بناءً على المصدر (دائرة الإحصاءات العامة، البنك الدولي، أو التقارير السكانية الدولية).
نسبة مشاركة النساء في سوق العمل تصل إلى 17.5% من مجموع القوى العاملة، وهذه الزيادة في متوسط العمر للنساء تشكل نسبة قليلة وغير مؤثرة لمتقاعدات الشيخوخة، مع فارق سن التقاعد 5 سنوات أقل من الذكور للنساء.
وهنا نتذكر الحديث النبوي: “أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك” وهو حديث صحيح رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم.
ولا ننسى أن مشكلة الضمان الرئيسة تكمن في التقاعد المبكر، والذي استخدم كأداة من قبل بعض المسؤولين في الحكومة للتخلص من الموظفين غير المرضيين عنهم… مزاج وشخصنة وأمراض السلطة، وتم التنبيه لذلك وأثره على تقليل فترات الاشتراك بالضمان واستنزاف أمواله، لكن الحكومات غضّت النظر…! وأرقام التقاعد المبكر تزيد عن 50% من إجمالي المتقاعدين.
أما متوسط الأعمار (العمر المتوقع عند الولادة) في الدول الأوروبية والولايات المتحدة يختلف من دولة لأخرى، لكنه يدور ضمن نطاقات متقاربة نسبياً:
متوسط دول الاتحاد الأوروبي: حوالي 81 سنة.
أمثلة لدول ذات أعمار متوقعة مرتفعة:
إسبانيا: نحو 83–84 سنة
إيطاليا: نحو 83 سنة
فرنسا: نحو 82–83 سنة
السويد: نحو 82–83 سنة
دول بأعمار أقل نسبياً (شرق أوروبا): بلغاريا ورومانيا: حوالي 74–76 سنة.
الفجوة بين غرب وشرق أوروبا قد تصل إلى 7–8 سنوات، لأسباب اقتصادية وصحية وأنماط حياة مختلفة.
أما في الولايات المتحدة:
متوسط العمر المتوقع حوالي 76–77 سنة (انخفض قليلاً بعد جائحة كوفيد-19، ثم بدأ يتحسن تدريجياً).
النساء تعشن عادةً 4–6 سنوات أطول من الرجال في معظم الدول.
طبعاً مع الإيمان بأن الأعمار والأجل بيد الله، إلا أن هنالك عوامل مؤثرة في متوسط الأعمار منها: مستوى الدخل، جودة الرعاية الصحية، أنماط التغذية، معدلات التدخين، السمنة، ومستوى الأمان الاجتماعي، ويضاف إليها الفقر والهم والغم وجور الحكومات وسواد العيشة في بلدان العالم الثالث.
مقارنة مختصرة بين متوسط العمر وسن التقاعد في أبرز الدول:
الولايات المتحدة الأمريكية:
متوسط العمر المتوقع: حوالي 78.5 سنة (عام 2023)، أقل من معظم الدول الأوروبية المتقدمة.
سن التقاعد القانوني للحصول على المعاش الكامل: 67 سنة تقريباً، ويمكن التقاعد مبكراً من 62 سنة مع تخفيض المعاش. وهذا مطبق في الأردن بنسبة 2% ثم رفع إلى 4% في التعديلات الجديدة على قانون الضمان الاجتماعي.
أوروبا (متوسط عام وبلدان مختارة):
متوسط العمر المتوقع في الاتحاد الأوروبي: حوالي 81.7 سنة في 2024.
سن التقاعد القانوني:
ألمانيا: نحو 66–67 سنة، يُرفع تدريجياً إلى 67.
فرنسا: من 62 إلى أعلى حسب سنوات الاشتراك، نظام مرن مع استحقاقات مبكرة.
إيطاليا: 67 سنة، مرتبط بالعمر المتوقع.
إسبانيا: 66–67 سنة تقريباً، في طريق الارتفاع.
هولندا: 67 سنة، من بين الأعلى أوروبياً.
السويد: غالباً مرن حول 65–67+، مرتبط بالعمر المتوقع.
في أوروبا، سن التقاعد القانوني عادةً بين 62 و67 سنة، وغالباً يرتفع باتجاه 67 سنة ليتماشى مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع. (جميع متوسطات العمر الأوروبي تقريبية من بيانات الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية).
مما سبق يتضح أن هناك فرقاً في متوسط الأعمار بين الأردن والدول الأوروبية وأمريكا يصل إلى حوالي 10 سنوات، ولهذا رفعت هذه الدول سن التقاعد إلى 67 سنة، ولا يجوز تطبيق ذات الرقم على الحالة الأردنية، والاغفال المتعمد في المقارنة لفارق متوسط الأعمار غير مبرر.
التعديل، وتعديل التعديل ما زال مرفوضاً شعبياً… وفزعة التصريحات غير المدروسة من الوزير والمسؤولين لتسويغها، والتعديلات الصادمة ستترك أثراً ضاراً جداً على مالية الضمان والثقة به كآخر حصن للكرامة للموظف، وستتسبب بفقدان الثقة المهزوزة أصلاً من خلال الانسحابات، وإلغاء فكرة الاشتراك الذاتي، والتهرب، وعدم دفع الاشتراكات للمتضررين… وربما لو نفذت التعديلات فلن تغطي فاقد أزمة الثقة بالضمان، والتي تهور بها الوزير والمسؤولون بوعي أو بغير وعي للأثر السلبي لها.
الضمان أموال الشعب وملاذ الأمان في آخر العمر، ولا يجوز طرح تعديلاته بهذه الطريقة، وتجفيل الناس وتنفيرهم وتخويفهم… وهذا ما حدث لصندوق تقاعد المهندسين عندما تم تسويق تعديلاته بذات الطريقة، ففقد اشتراكات الشباب لأنهم فقدوا الثقة بالصندوق، وها هو يترنح باتجاه التصفية وصرف ربع الراتب.
لسنا ضد أي تعديلات مبررة ومدروسة، ولكن قبل ذلك يجب محاسبة كل من تسبب بما حصل، وأن تطرح التعديلات بعقلية الدولة لا باندفاع الهواة وعقلية (كبر حجرك…! ) ، وأن تدرس العواقب لكل كلمة تسوق… التضخيم والهيزعة وسحر الارقام… والمصطلحات الاكتوارية…التي قدمت، أفسدت كل شيء… وإلى أن تعود الثقة، أبشر بطول سلامة يا مربع! أو كلفوا شيوخ الحكومة أن يلهجوا إلى الله بالدعاء لإطالة أعمار أمتنا مثل أوروبا، ليغدو التعديل مقنعاً…!
حمى الله الأردن.

