توريث المناصب : حين تتراجع الكفاءة و يتقدم النفوذ

المحامي جمال الخطاطبة
ليست خطورة توريث المناصب في الأردن أنه يحرم بعض الأفراد من فرص مستحقة فحسب، بل إنه يضعف مبدأ تكافؤ الفرص، ويحدّ من قدرة المؤسسات على التجدد والإنجاز، ويزرع في نفوس المواطنين شعورًا بأن الوصول إلى المواقع القيادية قد لا تحكمه الكفاءة بقدر ما تحكمه العلاقات والنفوذ وشبكات المصالح. وحين تتحول المناصب العامة إلى دائرة مغلقة تتبادل فيها الوجوه المواقع، من دون تقييم حقيقي للإنجاز أو مساءلة عن الإخفاق، يصبح المنصب امتيازًا لصاحبه بدل أن يكون تكليفًا لخدمة الوطن.
إن تدوير المسؤولين من موقع إلى آخر، من دون مراجعة موضوعية لأدائهم، لا يعالج الخلل الإداري، بل ينقله من مؤسسة إلى أخرى، ويكرّس ثقافة الإفلات من المساءلة، ويضعف الحافز لدى الكفاءات التي تؤمن بأن الاجتهاد والتميز هما طريق التقدم. فالترهل الإداري لا ينتج بالضرورة عن كثرة الموظفين، بل عن اختلال معايير الاختيار والتقييم والمحاسبة، حين تتقدم الاعتبارات الشخصية على المصلحة العامة، ويصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق أهدافه.
والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تستنزف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بعدالة القرارات وشفافية الإجراءات وشعور الناس بأن المسؤولية تُمنح للأكفأ، وأن التقصير لا يتحول إلى بوابة للانتقال نحو منصب آخر. ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإرساء قاعدة واضحة لا تقبل التأويل: الكفاءة والنزاهة والانتماء الوطني الصادق، الذي تثبته المواقف والإنجازات لا الشعارات، هي المعيار الحقيقي لتولي المسؤولية العامة.
ولا تعني الكفاءة مجرد الشهادات أو سنوات الخدمة أو شغل المناصب السابقة، بل القدرة على حل المشكلات، وإدارة الموارد، واتخاذ القرار، وتحقيق نتائج ملموسة. كما أن النزاهة ليست صفة تُمنح بالادعاء، وإنما سلوك يظهر في احترام القانون، وحماية المال العام، وتجنب تضارب المصالح، وقبول المساءلة. أما الانتماء الوطني، فيُقاس بما يقدمه المسؤول لوطنه ومواطنيه، لا بمدى قربه من دوائر النفوذ.
ولذلك، فإن الاختيار الصحيح يجب أن يستند إلى معايير معلنة، ومنافسة عادلة، وتقييم مهني موثق، وخطط أداء محددة بمؤشرات قابلة للقياس. وينبغي أن تكون لكل مسؤول أهداف واضحة، وأن يُقيّم على أساس ما أنجزه، وأن يخضع للمساءلة عن كل تقصير تثبت مسؤوليته عنه، مع التمييز بين الخطأ الناتج عن اجتهاد مشروع والإهمال وسوء الإدارة ومخالفة القانون. فالمساءلة ليست وسيلة للعقاب وحده، بل ضمانة لحماية المال العام وتصحيح المسار ومنع تكرار الإخفاق.
وفي هذا السياق، يتحمل مجلس النواب مسؤولية محورية في الرقابة على التعيينات الحكومية، ومساءلة الحكومة عن أسس الاختيار ومعايير المفاضلة ونتائج أداء القيادات العامة، والعمل على تطوير التشريعات التي تحصّن الوظيفة العامة من المحاباة وتضارب المصالح. غير أن الرقابة البرلمانية يجب ألا تتحول إلى وسيلة لتبادل النفوذ أو توزيع المناصب، بل إلى ضمانة دستورية لترسيخ الشفافية وتكافؤ الفرص وربط السلطة بالمسؤولية.
وفي المقابل، هناك كفاءات أردنية تمتلك العلم والخبرة والنزاهة، لكنها بقيت خارج دائرة الفرص، لا لقصور في قدراتها، بل لأنها لم تجد المسار العادل الذي يوصلها إلى مواقع التأثير. وهذه ليست خسارة لأصحابها وحدهم، بل خسارة وطنية لطاقات كان يمكن أن تسهم في تطوير المؤسسات وتحسين الخدمات وصناعة حلول مبتكرة. ومن الظلم أن يشعر الأردني المجتهد بأن أبواب التقدم تُفتح بالعلاقات أكثر مما تُفتح بالإنجاز؛ فالدولة التي لا تنصف كفاءاتها تُهدر إحدى أهم ثرواتها.
والتخلص من هذه الظاهرة يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا يتجاوز تغيير الأسماء إلى تغيير القواعد؛ من خلال الإعلان عن الشواغر القيادية، وتوحيد معايير التقييم، وتوثيق أسباب الاختيار، والإفصاح عن تضارب المصالح، وإنشاء قاعدة وطنية للكفاءات، وإتاحة الفرصة لأصحاب الخبرة داخل الأردن وخارجه، وربط استمرار المسؤول في موقعه بمستوى أدائه. كما يجب ألا يكون نقل المسؤول الذي أخفق مكافأة مقنّعة، بل ينبغي أن تسبقه مراجعة موضوعية تحدد أسباب الإخفاق والمسؤوليات المترتبة عليه.
ولا يعني رفض توريث المناصب إقصاء شخص بسبب عائلته أو اسمه، فالمعيار العادل لا يعاقب الإنسان على انتمائه، وإنما يرفض منحه أفضلية لا يستحقها. القضية ليست في أن يكون المسؤول ابن مسؤول، بل في أن يكون مؤهلًا فعلًا، وأن يصل إلى موقعه عبر إجراءات عادلة وشفافة، وأن يثبت جدارته بالعمل والإنجاز.
إن الأردن لا تنقصه العقول القادرة على البناء، بل يحتاج إلى منظومة تكتشف هذه العقول وتمنحها الفرصة وتضعها في المكان المناسب. فالتحديث الإداري لا يتحقق بتدوير الوجوه وحده، وإنما بتجديد المعايير، وتكريس النزاهة، وحماية المنافسة العادلة، وترسيخ المساءلة. فالمنصب العام ليس إرثًا تتناقله العلاقات، ولا مكافأة على الولاء للأشخاص، بل أمانة وطنية تُمنح لمن يستحقها، وتُسحب ممن يثبت تقصيره وفق القانون.
وحين يصبح الإنجاز أساس البقاء، والكفاءة طريق الوصول، والمساءلة ضمانة الاستمرار، تستعيد المؤسسات ثقة المواطنين، ويتحول الإصلاح من خطاب معلن إلى واقع ملموس. فالأوطان لا تتقدم بتوريث المناصب، بل بتوريث قيم النزاهة والمسؤولية، ولا تُبنى بتدوير النفوذ، بل بإطلاق طاقات أبنائها وتمكين الأكفأ منهم من خدمة وطنهم.

