حرب ترامب وضغوطه أعادت خامنئي شاباً أكثر صلابة وتشددًا !


مهدي مبارك عبدالله

 

في السياسة كثيراً ما تنقلب النتائج على أصحابها وتتحول الضغوط إلى عوامل قوة لدى الخصوم وهذا ما يبدو أنه حدث في الحالة الإيرانية فالحملة العسكرية والسياسية التي قادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران لم تؤد إلى تفكيك النظام أو إضعافه بقدر ما أسهمت في إعادة إنتاج قيادة أكثر تشدداً وصلابة تمثلت في صعود المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي ظهر منذ اللحظة الأولى أكثر تمسكاً بالنهج الثوري وأكثر استعداداً للمواجهة وأشد تمسكاً بأدوات الردع العسكرية والسياسية التي بنتها الجمهورية الإسلامية طوال العقود الماضية

الضربات العسكرية والضغوط الدولية بدلاً من أن تفتح الباب أمام مرحلة سياسية مختلفة داخل إيران جاء انتقال القيادة ليؤكد استمرار الخط الاستراتيجي ذاته بل وتعزيزه في كثير من الملفات الحساسة وفي مقدمتها دعم القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة وتعزيز دور الحرس الثوري الاسلامي باعتباره الركيزة الأساسية للأمن القومي الإيراني والضامن لاستمرار مشروع الثورة في مواجهة ما تصفه طهران بمحاولات الهيمنة الخارجية

صعود مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة لم يكن حدثاً مفاجئاً بالكامل داخل دوائر الحكم في طهران فقد أمضى سنوات طويلة في قلب المؤسسة السياسية والأمنية ولعب دوراً مؤثراً في إدارة مكتب والده المرشد الراحل علي خامنئي ونسج شبكة علاقات واسعة مع مراكز القوة في النظام الإيراني ولا سيما القيادات العسكرية والأمنية وهو ما جعل اسمه يتردد منذ سنوات بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة والده

مكانته المتميزة تعززت مع مرور الوقت نتيجة حضوره المتزايد في الملفات الحساسة التي تتعلق بالأمن القومي الإيراني والسياسة الإقليمية حيث اكتسب خبرة عملية في إدارة التوازنات المعقدة داخل مؤسسات الدولة كما عزز علاقاته مع القيادات الدينية والسياسية الأمر الذي منحه رصيداً من الثقة داخل دوائر صنع القرار في لحظة كانت البلاد تواجه فيها أخطر تحدياتها العسكرية والسياسية منذ سنوات طويلة

لكن العامل الأهم في تسريع هذا الانتقال القيادي كان بلا شك التصعيد العسكري الواسع الذي شهدته المنطقة في الأسابيع الأخيرة حيث دخلت إيران في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وسط ضربات جوية متبادلة وعمليات عسكرية استهدفت مواقع استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية وهو ما وضع البلاد أمام اختبار مصيري يتعلق بقدرتها على الصمود والحفاظ على تماسك مؤسساتها السياسية والعسكرية

في هذا السياق جاءت التصريحات المتكررة للرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أعلن فيها عدم رضاه عن اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين تحدث عن ضرورة أن يكون لواشنطن دور في تحديد هوية القيادة الإيرانية الجديدة وهي تصريحات غير مسبوقة في العلاقات الدولية وتعكس حجم الرهان الأميركي على إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام الإيراني أو الدفع نحو قيادة أكثر قابلية للتفاهم مع الغرب

غير أن هذه التصريحات بدت بالنسبة لكثير من المراقبين عاملاً إضافياً في تعزيز التماسك الداخلي في إيران إذ اعتبرتها النخب السياسية والدينية دليلاً على محاولة خارجية للتدخل في شؤون البلاد وهو ما دفع مؤسسات النظام إلى تسريع عملية حسم ملف القيادة وتأكيد أن اختيار المرشد الأعلى شأن سيادي لا يقبل أي وصاية خارجية

الرسالة الأولى التي وجهها المرشد الجديد إلى الشعب الإيراني حملت بدورها دلالات واضحة على طبيعة المرحلة المقبلة فقد أكد أن إيران لن تتراجع أمام الضغوط وأن الدفاع عن البلاد سيستمر بكل الوسائل المتاحة كما شدد على أن القوات المسلحة الإيرانية نجحت في توجيه ضربات قوية إلى خصومها وأن الحرب القائمة لن تنتهي إلا عندما يدرك الأعداء أن إيران ليست دولة يمكن إخضاعها بالقوة أو تهديدها بالتقسيم

خلال هذه الرسالة برزت أيضاً بوضوح المكانة المركزية التي يحتلها الحرس الثوري في الرؤية الاستراتيجية للقيادة الجديدة حيث وجه مجتبى خامنئي إشادة صريحة بدور القوات المسلحة في مواجهة الهجمات العسكرية مؤكداً أن استمرار الدفاع الفاعل هو السبيل الوحيد لردع الأعداء ومنعهم من التفكير في الاعتداء على إيران مرة أخرى

لم يقتصر هذا التوجه على البعد العسكري التقليدي فحسب بل يمتد إلى تطوير منظومة الردع الإيرانية في مجالات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والتقنيات الفرط صوتية وهي مجالات أصبحت تمثل أحد أهم عناصر القوة في الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية التي تقوم على مبدأ مواجهة التفوق العسكري التقليدي للولايات المتحدة وحلفائها بأساليب ردع غير متكافئة تعتمد على التكنولوجيا المحلية والقدرات الصاروخية بعيدة المدى

كما تعكس مواقف المرشد الجديد قناعة واضحة بضرورة توسيع مفهوم الصراع ليشمل ما وصفه بالميادين الرخوة للخصوم وهو تعبير يشير إلى ساحات المواجهة غير التقليدية التي يمكن لإيران أن تستخدم فيها أدوات سياسية وعسكرية متعددة من أجل الضغط على خصومها وإجبارهم على إعادة حساباتهم في المنطقة

من بين الملفات التي برزت بقوة في خطاب القيادة الإيرانية الجديدة ملف مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم حيث لوّح مجتبى خامنئي بإمكانية إبقاء المضيق مغلقاً في حال استمرار الحرب معتبراً أن هذه الورقة الاستراتيجية تمثل أحد عناصر القوة التي تملكها إيران في مواجهة الضغوط الدولية

في الوقت نفسه حرص المرشد الإيراني الجديد على توجيه رسالة مزدوجة إلى دول الجوار تقوم على التأكيد بأن إيران تسعى إلى علاقات ودية وبناءة مع محيطها الإقليمي لكنها في المقابل لن تتردد في استهداف القواعد العسكرية الأجنبية التي تُستخدم لشن هجمات على أراضيها وهو موقف يعكس محاولة الجمع بين خطاب الردع العسكري والدعوة إلى التعاون الإقليمي في آن واحد

كما شدد خامنئي على أهمية الحفاظ على وحدة المجتمع الإيراني في ظل ظروف الحرب داعياً مختلف القوى السياسية والاجتماعية إلى تجاوز الخلافات الداخلية والتركيز على دعم الدولة ومؤسساتها في مواجهة التحديات الخارجية وهو خطاب يعكس إدراك القيادة الجديدة لحساسية المرحلة التي تمر بها البلاد وضرورة تعزيز التماسك الداخلي لمواجهة الضغوط المتزايدة

وبينما راهنت بعض التحليلات الغربية على أن الضربات العسكرية والضغوط السياسية قد تدفع النظام الإيراني إلى الانقسام أو الانهيار تشير التطورات حتى الآن إلى نتيجة مختلفة تماماً إذ يبدو أن هذه الضغوط نفسها أسهمت في تعزيز التماسك الداخلي للنظام وفي إعادة إنتاج قيادته بروح أكثر تشدداً وثقة بقدراتها العسكرية والسياسية

المفارقة التي صنعتها الحرب التي كان يُفترض أن تضعف إيران قد تحولت في نظر كثير من الإيرانيين إلى لحظة تعبئة وطنية عززت الشعور بضرورة الدفاع عن البلاد وعن مشروعها السياسي وهو ما انعكس في سرعة حسم مسألة القيادة وفي الاصطفاف الواسع للمؤسسات العسكرية والسياسية خلف المرشد الجديد

وفق مجمل هذه المعطيات يمكن القول إن التناقضات الكبرى في المشهد الراهن تتمثل في أن سياسة الضغط القصوى التي تبناها دونالد ترامب لم تُفضِ إلى النتائج التي سعت إليها واشنطن بل أسهمت من حيث لا تقصد في تعزيز موقع التيار الأكثر تشدداً داخل النظام الإيراني وفي دفع البلاد إلى مزيد من التماسك حول قيادة ترى أن الرد على الضغوط لا يكون بالتراجع بل بتعزيز القوة وتوسيع دائرة الردع

ختاما : يبدو لنا أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع عنوانها قيادة إيرانية أكثر صلابة في مواجهة خصومها تشكلت في قلب الحرب وتحت ضغط المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى وهو ما يمنحها شرعية سياسية وأمنية إضافية داخل إيران ويجعلها أكثر ميلاً إلى المضي قدماً في السياسات التي ترى أنها الضمانة الحقيقية لحماية البلاد ومصالحها ومواطنيها وأن الضغوط التي هدفت إلى إضعاف إيران أعادت إنتاج قيادة أكثر صلابة وقوة وأن السياسة التي أرادت تغيير النظام قد أسهمت عملياً في تجديده وإعطائه وجهاً شابا نسبياً أكثر تشدداً واستعداداً للمواجهة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.