حين تتكلم الحكمة بصوتٍ عالٍ القمة الثلاثية في مواجهة فوضى العالم

الدكتور موفق العجلوني
بقلم / السفير الدكتور موفق العجلوني
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتشابك فيها المصالح وتتصاعد التحديات على أكثر من جبهة، جاءت القمة الثلاثية التي جمعت جلالة الملك عبد الله الثاني، وسمو الأمير محمد بن سلمان، وسمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في جدة، لتؤكد أن صوت العقل لا يزال حاضرًا، وأن نهج الحكمة لم يتراجع رغم ضجيج الفوضى الذي يطغى على المشهد الدولي.
لم تكن هذه القمة لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة سياسية مفصلية تعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التحولات الجارية في المنطقة، وسعيًا جادًا نحو بناء موقف عربي متماسك قادر على التعامل مع أزمات مركبة، في مقدمتها القضية الفلسطينية، وملفات الأمن الإقليمي المتصاعدة. وقد أظهرت مخرجات القمة أن هذا التنسيق الثلاثي ليس وليد اللحظة، بل امتداد لنهج استراتيجي راسخ يقوم على التوازن، والوضوح، والعمل المشترك.
وقد حملت القمة رسائل واضحة لا تحتمل التأويل، كان أبرزها التأكيد على أن أمن الأردن ودول الخليج العربي كلٌّ لا يتجزأ، في طرح يعكس تحولًا نوعيًا في مفهوم الأمن الإقليمي، من الإطار الوطني الضيق إلى فضاء الشراكة الاستراتيجية الشاملة. كما أن الإدانة الصريحة للهجمات التي تستهدف دول المنطقة، والدعوة إلى وقفها الفوري واحترام سيادة الدول، تعكس وضوحًا في الخطاب العربي المشترك، وتؤشر إلى مرحلة جديدة تتراجع فيها الحسابات الرمادية لصالح مواقف أكثر حزمًا وشفافية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، برزت أهمية التنسيق مع الشركاء الدوليين لمواجهة تداعيات الأزمات والحروب، في إدراك يعكس ترابط الأبعاد السياسية والاقتصادية للأمن والاستقرار. فالحكمة هنا لا تقتصر على تجنب التصعيد، بل تمتد إلى إدارة نتائجه، والتخفيف من انعكاساته على الشعوب، وهو ما يشكل جوهر السياسة الرشيدة.
في المقابل، يبدو المشهد الدولي وكأنه ينزلق في اتجاه مغاير، حيث تتصدر العناوين سياسات متقلبة وقرارات انفعالية وخطابات تتجاوز حدود المنطق. من الولايات المتحدة إلى إسرائيل، مرورًا بـ إيران، تتجلى صورة عالم مضطرب تحكمه حسابات قصيرة المدى ومصالح ضيقة، في مشهد يمكن وصفه بـ” جنون الآخرين “، حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية لصالح ردود الفعل الآنية.
ولم يعد هذا الاضطراب محصورًا في دوائر صنع القرار، بل امتد إلى المجتمعات نفسها، كما يظهر في حالة الاستقطاب المتصاعد داخل الولايات المتحدة، حيث تعكس الاحتجاجات الشعبية واتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات عمق الأزمة البنيوية في النموذج السياسي الغربي.
وفي سياق موازٍ، لا يمكن إغفال ما يجري داخل الولايات المتحدة من مظاهرات واحتجاجات متصاعدة، تعكس رفضًا شعبيًا متزايدًا للسياسات العدوانية والانخراط في صراعات لا تحظى بإجماع داخلي. فهذه التحركات لا تمثل مجرد حالة احتجاج عابرة، بل تكشف عن وعي متنامٍ لدى قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي بضرورة مراجعة النهج القائم على القوة والانفراد بالقرار.
إن هذا الحراك الشعبي يعزز حقيقة أساسية مفادها أن اللجوء إلى الحوار، وتغليب العقل، وانتهاج الدبلوماسية القائمة على التوازن والشراكة، لم يعد خيارًا مثاليًا فحسب، بل ضرورة ملحة لتفادي مزيد من الأزمات. كما يسلّط الضوء على مخاطر الانجرار وراء سياسات أحادية أو حسابات ضيقة، خاصة حين ترتبط بأجندات تصعيدية، مثل تلك التي يقودها بنيامين نتنياهو، والتي لطالما قامت على توسيع دائرة التوتر وفرض وقائع بالقوة.
وما شهده العالم مؤخرًا من أزمات متلاحقة، نتيجة سياسات التهور سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، يؤكد أن غياب الحكمة في إدارة الصراعات لا يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الأخطاء التي ارتكبتها إيران بحق عدد من الدول العربية، رغم ما يجمعها بها من روابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.
فلو اتجهت إيران نحو بناء علاقات قائمة على حسن الجوار، واحترام السيادة، وتغليب المصالح المشتركة مع دول مجلس التعاون والدول العربية، لكان بالإمكان تجنب كثير من أسباب التوتر والتصعيد، بل وربما الإسهام في خلق بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، تغلق الباب أمام التدخلات الخارجية وتحدّ من ذرائع التصعيد.
أمام هذا الواقع، يبرز النهج الأردني، بالتكامل مع المملكة العربية السعودية و دولةقطر، كنموذج مختلف في إدارة الأزمات. نموذج يقوم على الحكمة لا المغامرة، وعلى العلانية لا الغموض، وعلى بناء التوافق بدل تأجيج الصراعات. إنها دبلوماسية استباقية لا تكتفي برد الفعل، بل تسعى إلى تشكيل مسارات الأحداث بما يخدم الاستقرار ويحمي المصالح.
ولا يمكن فصل هذه القمة عن الحراك الدبلوماسي الأوسع الذي يقوده الأردن، والذي شمل زيارات واتصالات مكثفة مع عدد من الدول العربية، بالتوازي مع جهود دولية تشارك فيها قوى إقليمية فاعلة، في محاولة لاحتواء التوترات ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من التصعيد. ويعكس هذا التلاقي بين المسارين العربي والدولي إدراكًا متناميًا بأن التحديات الراهنة تتجاوز الحدود، وتتطلب استجابات جماعية أكثر نضجًا وتوازنًا.
إن ما نشهده اليوم هو صراع بين منهجين: منهج يقوم على العقل والتوازن والتخطيط بعيد المدى، وآخر تحكمه الاندفاعات والانفعالات وقصر النظر. وبينما يعلو صخب الفوضى، يبقى صوت الحكمة أكثر قدرة على الاستمرار، لأنه يستند إلى قراءة واقعية وفهم عميق لتعقيدات المشهد.
من هنا، تؤكد القمة الثلاثية في جدة أن الحكمة ليست خيارًا نظريًا، بل ضرورة سياسية في زمن الأزمات، وأن العقلانية في المواقف ليست ضعفًا، بل أداة قوة تعزز الثقة وتكرس الاستقرار. وفي عالم يزداد اضطرابًا، يبقى الرهان الحقيقي على نهج متزن، يدرك أن حماية الأوطان لا تكون بالمغامرة والتصعيد، بل بالحكمة والعقلانية والحوار المسؤول.
المدير العام
مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

