حين يتحول التخرج من فرحة الإنجاز إلى استعراض اجتماعي


د.بسام القضاة

هل أصبحنا نحتفل بنجاح أبنائنا، أم نحتفل بما نستطيع أن ننفقه من أجل أن نُظهر هذا النجاح للآخرين؟

لا شك أن تخرج الابن أو الابنة من الجامعة  او المدرسة لحظة تستحق الفرح والاعتزاز، فهي ثمرة سنوات من الجد والاجتهاد، وفرصة حقيقية للأسرة كي تشارك أبناءها فرحتهم وتقدّر ما بذلوه من جهد. لكن ما يثير القلق اليوم ليس الاحتفال في حد ذاته، وإنما الطريقة التي أخذت بها بعض الأسر تتعامل مع هذه المناسبة، حتى تحولت في بعض الحالات من احتفاء هادئ بالإنجاز إلى سباق في المظاهر والتكاليف والاستعراض.

لقد أصبحنا نشاهد حفلات تخرج تتجاوز حدود المناسبة التعليمية؛ قاعات فخمة، وديكورات خاصة، وملابس مصممة لهذه المناسبة، وباقات من الورود، وهدايا، وحلويات، ومصورون، وتصوير احترافي، وأحيانًا مواكب  وزفة واحتفالات تمتد لساعات. وأن بعض الأسر أصبحت تواجه أعباء مالية متزايدة بسبب هذه المتطلبات، وأن المناسبة التي يفترض أن تكون مصدرًا للفرح قد تتحول إلى مصدر للضغط المالي والنفسي.والسؤال هنا: من الذي صنع هذه الثقافة؟

جزء كبير من المسؤولية يقع على عاتق أولياء الأمور . فقد بدأ بعض الآباء والأمهات ينظرون إلى حفل التخرج باعتباره مناسبة لإظهار المكانة الاجتماعية للأسرة، وليس مجرد مناسبة للاحتفاء بالطالب. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح ما يحدث داخل البيت أو قاعة الاحتفال قابلًا للنشر والمقارنة، فتحولت فرحة الأسرة إلى صورة ينبغي أن تبدو “أفضل” من صور الآخرين.

وهنا تظهر مشكلة تربوية أكثر عمقًا، إذ  ان الخريج  قد يبدأ في ربط النجاح بالمكافأة المادية والمظاهر الخارجية، بدل أن يفهم أن القيمة الحقيقية للتعليم تكمن في المعرفة والمهارة والشخصية والمسؤولية التي اكتسبها خلال سنوات الدراسة.

الأكثر إشكالية أن هذه الثقافة لم تعد مقتصرة على التخرج الجامعي أو الثانوية العامة، بل امتدت إلى مراحل عمرية مبكرة. وأصبحنا نسمع عن حفلات تخرج من الروضة والصفوف المدرسية المختلفة، وكأن كل انتقال من صف إلى آخر يحتاج إلى احتفال كبير.   ومن وجهة نظر تربوية  أن المبالغة في الاحتفال بالمراحل المبكرة قد تُبعد المناسبة عن معناها التربوي الحقيقي.

ولا ينبغي أن نغفل عن الآثار الاجتماعية لهذه الظاهرة. فحين يشاهد الطالب زميله في حفل فاخر، وقد ارتدى ملابس باهظة وأقيم له احتفال كبير، قد يشعر طالب آخر، تنتمي أسرته إلى طبقة اقتصادية أقل، بأنه أقل شأنًا من زميله. وهنا يتحول الاحتفال الذي يفترض أن يجمع الطلاب على الفرح بالإنجاز إلى وسيلة غير مباشرة لإظهار الفوارق الاقتصادية بينهم.

كما أن بعض أولياء الأمور قد يدخلون في سباق لا يرغبون فيه أصلًا. فالأسرة لا تريد أن يبدو ابنها أقل من الآخرين، فتدفع أحيانًا ما يفوق قدرتها المالية، ليس لأنها مقتنعة بضرورة هذه النفقات، وإنما خوفًا من كلام الناس أو مقارنة الأبناء بأقرانهم.

ومن هنا، فإن النقد الحقيقي يجب ألا يتوجه إلى الفرح، بل إلى المبالغة التي تفسد معنى الفرح. فمن حق الأسرة أن تحتفل، ومن حق الأبناء أن يشعروا بالفخر، ولكن ليس من الضروري أن يتحول هذا الفخر إلى إنفاق مبالغ كبيرة أو إلى منافسة اجتماعية.

إن أجمل حفل تخرج ليس بالضرورة الأكثر تكلفة، وإنما الأكثر قدرة على تكريم الإنسان والإنجاز. كلمة صادقة من الأب والأم، وصورة عائلية بسيطة، وهدية رمزية، ولقاء يجتمع فيه الأقارب والأصدقاء، قد تترك في ذاكرة الخريج أثرًا أعمق من قاعة فخمة تنتهي بانتهاء المناسبة.

ولذلك، فإن المسؤولية لا تقع على المدارس والجامعات وحدها، بل تبدأ من الأسرة. وعلى أولياء الأمور أن يعيدوا تعريف معنى الاحتفال أمام أبنائهم: نحن لا نحتفل لأن الآخرين يحتفلون، ولا ننفق لكي نثبت للآخرين أننا قادرون على الإنفاق؛ نحن نحتفل لأن ابننا اجتهد ونجح، ولأننا نريد أن نشاركه فرحته.

إن التربية الحقيقية تقتضي أن نعلّم أبناءنا أن قيمة الإنسان لا تقاس بثمن ملابسه، ولا بفخامة حفل تخرجه، ولا بعدد الصور التي ينشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما بما يحمله من علم وأخلاق وقدرة على خدمة نفسه وأسرته ومجتمعه.

فهل نحتاج إلى إلغاء حفلات التخرج؟ بالتأكيد لا. لكننا نحتاج إلى إعادة التخرج إلى معناه الحقيقي: احتفال بالعلم، لا استعراض للمال؛ تكريم للجهد، لا منافسة في المظاهر؛ وفرحة بالإنجاز، لا عبء جديد على الأسرة.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل أب وأم  من تربوي امضى اكثر من ثلاثون عاما في التربية والتعليم هي: لا تجعلوا فرحة أبنائكم سببًا لإرهاق أنفسكم، ولا تجعلوا حبكم لهم يتحول إلى سباق اجتماعي لا نهاية له. فالابن الذي تعب سنوات ليحصل على شهادته يستحق أن نحتفل بإنجازه، لا أن نجعل قيمة إنجازه مرتبطة بحجم ما أنفقناه على الاحتفال به.

 

 

الدكتور بسام القضاة

الجامعة الاردنية /كلية العلوم التربوية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.