حين يُساء فهم الشعر… لا يُساء إلى الوطن


محامي محمد صدقي الغرايبة

 

لم يكن الغضب الأردني مما نُسب إلى الشاعر غسان الحسن رفضًا للنقد، ولا مصادرةً لحرية الرأي، بل اعتراضًا مشروعًا على تعميمٍ مُخلّ، وخطابٍ اختزالي يُنكر التاريخ ويتجاهل الجغرافيا والذاكرة الثقافية.

فالشعر الأردني، ولا سيما النبطي والبدوي، لم يولد على شاشة تلفزيونية، ولم ينتظر برنامجًا جماهيريًا ليمنحه الشرعية أو يعرّفه بالناس. لقد كان حاضرًا في البادية والريف، في المجالس والمضافات، يؤدي دورًا مركزيًا في توثيق الوقائع، وبناء الحكمة الشعبية، وحفظ الذاكرة والهوية الوطنية.

ومن هذا الإرث الشعري تحديدًا، تشكّلت ملامح الأغنية الأردنية، خاصة الأغنية الوطنية وتلك المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والوطن، وهي أغانٍ ما تزال حيّة في الوجدان الجمعي، نرددها اليوم كما وُلدت في خمسينيات القرن الماضي، شاهدةً على عمق التجربة لا على حداثة الوسيط.

وفي ذات السياق لا يمكن إنكار أن البرامج الإعلامية، وعلى رأسها برنامج” شاعر المليون”، أسهمت في إبراز الشعر عربيًا، ووفّرت له منصات انتشار أوسع، ورفعت سقف المنافسة والاحتراف. غير أن هذا الإبراز ليس إنشاءً، والتسويق لا يعني الخلق من العدم، كما أن التطوير لا يفترض أن ما سبقه كان فراغًا.

فالحقيقة أن هذه البرامج كانت كاشفة للطاقات الشعرية الأردنية، لا صانعة لها، ولم تُنتج شعراء بقدر ما سلّطت الضوء على شعراء موجودين أصلًا، متجذرين في بيئتهم وثقافتهم.

إن الإشكالية لا تكمن في النقد ذاته، بل في نبرة الاختزال التي توحي بأن جغرافيا كاملة كانت خارج المشهد، وأن الشعر الأردني وُلد فجأة بفعل برنامج تلفزيوني. وهو ادعاء لا يصمد أمام الوقائع ولا أمام التاريخ الثقافي الأردني.

والردّ الرصين على مثل هذه الأقوال لا يكون بالانفعال، بل بالتذكير الهادئ:
الشعر الأردني كان حاضرًا قبل هذه البرامج، وأسهم في نجاحها، وسيظل موجودًا بعدها؛ لأنه ابن الأرض والناس، لا ابن الكاميرا ولا صناعة الكواليس
المحامي محمد الغرايبه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.