خبير استراتيجي


محامي محمد صدقي الغرايبة

 

في السنوات الأخيرة امتلأت الشاشات ومنصات التواصل بأشخاص يقدّمون أنفسهم بوصفهم «خبراء استراتيجيين» أو «خبراء عسكريين» وعند البحث الهادئ في سيرتهم الذاتية نكتشف بأن خبرتهم الحقيقية لا تتجاوز سنة واحدة مكررة … أُعيد تدويرها عشرين مرة.

المشكلة ليست في حق أي إنسان أن يُبدي رأياً، بل حين يتحول الرأي إلى مرجعية والتعليق إلى تحليل استراتيجي والانطباع الشخصي إلى «تقدير موقف»… هنا يُسوَّق الوهم على أنه معرفة ويُقدَّم الظنّ في هيئة علم.

الخبير الحقيقي يُقاس بقدرة تحليله على الصمود أمام الزمن وبحذره في إطلاق الأحكام واعترافه بحدود معرفته. أما «الخبير المُصنَّع إعلامياً» فيعيش على الإثارة، ويتحدث بيقين قاطع، ويقدّم المستقبل كما لو كان حقيقة مكتوبة لأن الشك لا يجذب الجمهور.

هذه الظاهرة لا تُسيء إلى مفهوم الخبرة فقط، بل تُربك وعي الناس، وتخلط بين التحليل العلمي والحديث الإنشائي. فتصبح الاستراتيجية خرائط وأسهمًا على الشاشة، لا فهماً عميقاً للعوامل السياسية والاقتصادية والنفسية التي لا تظهر في الصورة.

علينا ان نعترف بأن الإعلام شريك في ذلك حين يفضّل من يجيد الظهور على من يجيد التفكير وهكذا يتحول «الخبير» إلى وظيفة إعلامية، لا صفة علمية.

حين تُمنح الخبرة كلقب ذاتي، يفقد اللقب معناه … نحن لسنا بحاجة إلى مزيد من «الخبراء»، بل إلى مزيد من التواضع المعرفي، وإلى إعلام يميّز بين من يملك رأياً ومن يملك علماْ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.