خطاب العرش: قراءة سياسية في رسائل الملك إلى الداخل الأردني والخارج


المحامي جمال الخطاطبة

 

يشكل خطاب العرش الذي افتتح به جلالة الملك عبد الله الثاني الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين أكثر من مجرد خطاب دستوري تقليدي؛ فهو خطاب سياسي بامتياز، تتداخل فيه رسائل الأمن والسياسة والاقتصاد، وتبرز من خلاله ملامح الرؤية الملكية للتعامل مع مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب، وتحديات داخلية تتطلب أعلى درجات التماسك والجاهزية والمسؤولية. فالخطاب لم يقتصر على استعراض المواقف والثوابت الوطنية، وإنما حمل توجيهات واضحة للحكومة والبرلمان، ورسائل طمأنة وثقة للشعب الأردني، ومواقف حازمة تجاه التهديدات التي تستهدف أمن المملكة واستقرارها، إلى جانب إعادة التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في السياسة الأردنية.
من الواضح أن الملك أراد أن يبدأ خطابه من النقطة الأكثر حساسية في المشهد الأردني، وهي الأمن الوطني، مستحضراً الاعتداءات الإرهابية وشهداء الكرك، في رسالة تؤكد أن الدولة، رغم ما واجهته من محاولات استهداف، لا تزال تمتلك الإرادة والقدرة على حماية أمنها وسيادتها. ولم يكن وصف الإرهابيين بالخوارج والخارجين عن العائلة الأردنية مجرد توصيف سياسي أو ديني، بل يحمل دلالة عميقة تتمثل في نزع أي غطاء اجتماعي أو وطني عن هذه الجماعات، والتأكيد على أنها لا تمثل مكوناً من مكونات المجتمع الأردني، ولا مكان لها في نسيجه الوطني. فالملك أراد أن يقطع الطريق على محاولات توظيف الدين أو الاختلافات الفكرية أو الاجتماعية لتبرير الإرهاب، وأن يبعث برسالة حاسمة مفادها أن مواجهة الإرهاب مسؤولية الدولة والمجتمع معاً، وأن وحدة الأردنيين هي خط الدفاع الأول عن المملكة.
وفي هذا السياق، جاء تأكيده على دور الجيش العربي والأجهزة الأمنية ليعيد تثبيت مكانة المؤسسة العسكرية والأمنية باعتبارها صمام الأمان للدولة، والحارس الأول لسيادتها واستقرارها. لكن اللافت أن الملك لم يحصر عناصر القوة الأردنية في قدرات هذه المؤسسات، بل انتقل مباشرة إلى المجتمع، مؤكداً أن قوة الأردن الحقيقية تكمن في شعبه وتماسكه ووعيه وحكمته. وعندما يقول: «ولا يزال رهاني على الأردني»، فإنه لا يكتفي بالتعبير عن الثقة بالمواطن، وإنما يمنحه دوراً سياسياً ووطنياً في حماية الدولة ومواجهة التحديات، داعياً إياه ضمناً إلى عدم الانجرار وراء الانفعالات أو محاولات التشكيك أو إثارة الانقسامات، خصوصاً في ظل إقليم يعيش حالة من الاستقطاب والاضطراب غير المسبوقين.
والرسالة الموجهة إلى الشعب الأردني هنا واضحة: الدولة تثق بمواطنيها، وتعوّل على وعيهم وقدرتهم على التمييز بين الاختلاف المشروع ومحاولات الإضرار بالوطن. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يربط الملك بين الثقة بالشعب وبين حقه الدستوري في التداول بالشأن العام، مؤكداً أن صدر الوطن يتسع لكل رأي مخلص ومسؤول. وهذه إشارة سياسية مهمة إلى أن الاستقرار لا يعني إغلاق المجال العام أو مصادرة الاختلاف، وأن التعبير عن الرأي حق مشروع، لكنه يرتبط بالمسؤولية واحترام الوطن ومؤسساته. فالملك يريد مجتمعاً متماسكاً، لكنه لا يريد مجتمعاً صامتاً؛ ويريد اختلافاً سياسياً، لكنه يرفض أن يتحول الاختلاف إلى أداة للتفكيك أو التحريض أو المساس بالوحدة الوطنية.
وفي البعد الإقليمي، أعاد الخطاب التأكيد على أن الأردن لن يسمح للظروف المحيطة به، مهما بلغت تعقيداتها، بأن تدفعه إلى التخلي عن ثوابته القومية أو الانكفاء على ذاته. فالعبارة التي قال فيها الملك: «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي» تحمل دلالة تتجاوز التأكيد على استمرارية النهج الهاشمي، لتؤكد أن الموقف الأردني من قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ليس موقفاً ظرفياً أو تكتيكياً، وإنما يمثل امتداداً تاريخياً وسياسياً لهوية الدولة ودورها. وهي رسالة موجهة إلى المحيط العربي بأن الأردن، رغم ما يواجهه من تحديات وضغوط، سيبقى متمسكاً بعروبته وبمسؤوليته تجاه قضايا أمته، وأن الحفاظ على الدولة الأردنية ومؤسساتها لا يعني التخلي عن دورها العربي، بل يمثل شرطاً أساسياً لتعزيزه.
وتحتل القضية الفلسطينية المساحة الأكثر وضوحاً في الرسائل الخارجية للخطاب، إذ يربط الملك بصورة مباشرة بين أمن المنطقة واستقرارها وبين تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه. وهذا الربط يعكس رفضاً أردنياً واضحاً لمحاولات اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني أو الإغاثي، أو التعامل مع الكارثة في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس باعتبارها أحداثاً منفصلة عن جذور الصراع. فالرسالة الملكية تؤكد أن استمرار الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية والأطماع التوسعية لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد مستقبل المنطقة بأكملها، ويقوض فرص الأمن والاستقرار فيها.
كما أن استخدام الملك لعبارات من قبيل: «ومن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية.. واهم»، و«ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم»، يحمل نبرة سياسية وأخلاقية حازمة، ويعكس رفضاً لمحاولات فرض الوقائع بالقوة أو الرهان على عامل الزمن لتجاوز الحقوق الفلسطينية. أما قوله إن من يظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه فهو واهم، فيمثل رسالة مباشرة إلى كل من يراهن على أن الضغوط الإقليمية أو الأزمات الاقتصادية أو التحولات الدولية يمكن أن تدفع الأردن إلى مراجعة مواقفه وثوابته. فالملك يريد القول إن الموقف الأردني من فلسطين والقدس ليس ورقة تفاوضية، ولا يخضع لحسابات المصالح الآنية، وإن الأردن سيبقى متمسكاً بمبادئه مهما تغيرت الظروف.
وفي المقابل، فإن حديثه عن الكلمة العربية الموحدة، رغم اعترافه الضمني بأن تحقيقها يبدو بعيداً، يكشف عن قلق أردني من حالة الانقسام العربي وتراجع القدرة الجماعية على التأثير في مسار الأحداث. وهي رسالة إلى العواصم العربية بأن الخلافات والحسابات القطرية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتخلي عن العمل العربي المشترك، خصوصاً في ظل ما تواجهه المنطقة من مشاريع توسعية وتهديدات أمنية وسياسية. فالأردن، وفق ما يعكسه الخطاب، يريد محيطاً عربياً أكثر تماسكاً وقدرة على حماية مصالحه، لكنه يدرك في الوقت ذاته أن قوة موقفه الخارجي تبدأ من قوة وضعه الداخلي.
أما الرسائل الموجهة إلى الحكومة، فقد جاءت أكثر مباشرة ووضوحاً، ويمكن قراءة الخطاب في هذا الجانب باعتباره مطالبة ملكية بتجاوز مرحلة التخطيط والإعلان إلى مرحلة الإنجاز والتنفيذ. فعندما يؤكد الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه، فإنه يضع معياراً واضحاً لتقييم السياسات الحكومية، وهو مدى انعكاسها على حياة المواطنين، وليس عدد الخطط والبرامج التي تعلنها الحكومة أو حجم الوعود التي تقدمها. فالملك يربط التنمية الحقيقية بمعيشة المواطن وفرص العمل والتعليم والعلاج ومستقبل الأبناء، في إشارة إلى أن التحديث الاقتصادي لا يمكن أن يكتسب مشروعيته الشعبية ما لم يشعر الأردنيون بنتائجه في حياتهم اليومية.
ومن هنا تأتي دعوته إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى، وهي دعوة تحمل في طياتها رسالة واضحة بأن الوقت لم يعد يسمح بإطالة مراحل التحضير والدراسة على حساب التنفيذ. فالأردن يحتاج إلى استثمارات ومشاريع قادرة على تحريك الاقتصاد الوطني، وتوليد فرص العمل، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات، وترسيخ موقعه بوصفه دولة محورية في الإقليم. والملك، بهذا المعنى، لا يريد تحديثاً اقتصادياً نظرياً أو مؤشرات إيجابية لا يشعر المواطن بأثرها، وإنما يريد اقتصاداً منتجاً ينعكس على مستوى المعيشة ويمنح الأجيال الجديدة فرصاً حقيقية للمستقبل.
ولعل التكرار اللافت لعبارة «المياه، المياه، المياه!» يمثل واحدة من أقوى الرسائل الاستراتيجية في الخطاب. فالأمر لا يتعلق بملف خدمي أو قطاعي فحسب، بل بقضية أمن وطني وسيادة واستقرار. والأردن من أكثر دول العالم معاناة من شح المياه، ولذلك فإن تأكيد الملك أن ظمأ الأردنيين لن يكون رهينة لأي ظرف يعكس إدراكاً عميقاً لحساسية هذا الملف، ولارتباطه المباشر بالأمن الغذائي والزراعة والصناعة والتنمية والاستقرار الاجتماعي. كما أن توجيهه الحكومة إلى مواصلة مشاريع الأمن المائي ووضع خطط استباقية لحماية الموارد يعكس مطالبة بالانتقال من إدارة الأزمات المائية إلى بناء منظومة استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على استدامة الموارد وتأمين احتياجات المواطنين وحقوق الأجيال المقبلة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة التكرار الثلاثي باعتباره رفعاً للأمن المائي إلى مستوى الأولويات الوطنية التي لا تحتمل التأجيل أو المعالجة التقليدية.
وفي ملف الإدارة العامة، وجه الملك رسالة لا تقل أهمية، حين أكد أنه لا مكان لمن يتعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها امتيازاً أو تشريفاً يرفعه عن خدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان. وهذه العبارات تعكس رغبة واضحة في إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية العامة، وفي وضع حد لثقافة استغلال النفوذ أو التعامل مع الموقع الوظيفي باعتباره سلطة على المواطنين بدلاً من أن يكون تكليفاً بخدمتهم. كما أن قوله إن «القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً» يمثل تأكيداً على مبدأ المساواة أمام القانون، ورسالة إلى جميع مستويات المسؤولية بأن هيبة الدولة لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن احترام القانون يجب أن يبدأ من المسؤول قبل المواطن. فالملك يدرك أن ثقة الأردنيين بمؤسساتهم لا تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما بمدى شعورهم بالعدالة، وبأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.
أما مجلس الأمة، فقد أراد الملك أن يذكره بمكانته الدستورية ومسؤوليته السياسية في هذه المرحلة، مؤكداً أن الأمة مصدر السلطات، وأن البرلمان ركن أساسي في الحياة السياسية. غير أن هذا التأكيد لم يكن مجرد إطراء للمؤسسة التشريعية، بل جاء مقروناً بتحديد واضح لما ينتظره الأردنيون منها. فالملك يريد مجلساً يكون صوتاً للوطن، وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً على الأداء الحكومي، لا مجرد مؤسسة تنحصر وظيفتها في إقرار التشريعات أو ممارسة أدوار بروتوكولية. ومن هنا تبرز أهمية تأكيده أن اختلاف النواب والأعيان في الرأي يمثل مصدر قوة، ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية. فالرسالة هنا أن المطلوب ليس برلماناً متطابقاً في مواقفه، وإنما برلماناً قادراً على إدارة الاختلاف بصورة ديمقراطية ومسؤولة، وعلى ممارسة رقابة حقيقية على الحكومة، بعيداً عن المجاملات السياسية والحسابات الضيقة.
والأكثر دلالة في مخاطبة البرلمان قول الملك إن الأردنيين لا ينظرون فقط إلى القوانين التي تصدر عن هذه القبة، وإنما أيضاً إلى السلوك والخطاب الصادرين عنها. وهذه إشارة نقدية واضحة إلى أن أداء المؤسسة التشريعية لا يقاس بما تنتجه من تشريعات فحسب، بل كذلك بمستوى الحوار السياسي، واحترام المؤسسات، وسلوك ممثلي الشعب. فالبرلمان أمام اختبار ثقة شعبية، وعليه أن يثبت أن الحياة النيابية ليست مجرد استحقاق دستوري، بل ممارسة مسؤولة قادرة على التعبير عن تطلعات الأردنيين والدفاع عن مصالحهم.
وفي تقديري، فإن الخطاب يتضمن رسالة أعمق إلى الحكومة ومجلس الأمة معاً، مفادها أن مرحلة التحديث السياسي والاقتصادي لا يمكن أن تنجح إذا ظلت مؤسسات الدولة تعمل وفق منطق الإدارة التقليدية، أو إذا استمرت الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه المواطن. فالملك يطالب الحكومة بالإنجاز، والبرلمان بالرقابة، والمسؤولين بالنزاهة، والمواطنين بالمشاركة الواعية، وهي معادلة تستهدف إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع على أساس المسؤولية المتبادلة والنتائج الملموسة.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الخطاب باعتباره رسالة ردع متعددة الاتجاهات؛ فهو يطمئن الأردنيين إلى أن دولتهم قوية وقادرة على حماية أمنها، ويحذر الجماعات الإرهابية من أن محاولات استهداف الأردن لن تمر دون مواجهة حازمة، ويبلغ إسرائيل بأن الأردن لن يتراجع عن ثوابته تجاه فلسطين، كما يبعث برسالة إلى كل من يراهن على إضعاف المملكة أو استنزافها بأن الدولة تستمد قوتها من تماسك جبهتها الداخلية ومن صلابة مؤسساتها. لكن هذه الرسالة لا تقوم على لغة التصعيد وحدها، وإنما على تأكيد أن قوة الأردن تكمن أيضاً في حكمته وقدرته على إدارة التوازنات، وعدم السماح للآخرين بجره إلى مسارات لا تخدم مصالحه الوطنية.
إن أبرز ما يميز الخطاب أنه لم يفصل بين الأمن والتنمية، ولا بين الموقف القومي والاستقرار الوطني، ولا بين قوة الدولة وثقة المواطن. فالملك يقدم تصوراً متكاملاً لقوة الأردن، قوامه جيش وأجهزة أمنية تحمي الحدود والداخل، وشعب واعٍ ومتماسك يحمي الجبهة الوطنية، وحكومة تنجز وتستجيب للأولويات، وبرلمان يمارس دوره الرقابي والتشريعي بمسؤولية، وسياسة خارجية تحافظ على ثوابت المملكة ومصالحها القومية.
وفي المحصلة، يمكن القول إن الملك أراد أن يبعث بخمس رسائل كبرى: إلى الأردنيين بأن الدولة تثق بوعيهم وتراهن على تماسكهم؛ وإلى الحكومة بأن معيار النجاح هو الإنجاز الذي يلمسه المواطن، لا الوعود والخطط؛ وإلى مجلس الأمة بأن دوره يتجاوز التشريع إلى الرقابة واستعادة ثقة الشارع؛ وإلى المحيط العربي بأن الأردن سيبقى وفياً لهويته القومية ومدافعاً عن القضية الفلسطينية؛ وإلى إسرائيل والأعداء بأن أمن المملكة وثوابتها ومبادئها ليست موضع اختبار أو مساومة.
إنه خطاب تثبيت للثوابت، ورفع لسقف المسؤولية، وإعادة تأكيد على أن الأردن يريد أن يكون قوياً في مواجهة التهديدات الخارجية، وقوياً أيضاً في معالجة تحدياته الداخلية. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في حماية الحدود من الأخطار، وإنما كذلك في حماية ثقة المواطن بالدولة، وفي تحويل الخطط إلى إنجازات، والشعارات إلى سياسات، والوعود إلى نتائج. ومن هنا فإن القيمة السياسية الحقيقية لهذا الخطاب لن تتوقف عند قوة عباراته ووضوح رسائله، بل ستتحدد بمدى ترجمة مضامينه إلى أداء حكومي وبرلماني يوازي حجم التحديات وتطلعات الأردنيين.
فالأردن، كما أراد الملك أن يقول في هذا الخطاب، لن يتراجع عن ثوابته تحت ضغط الخارج، ولن يسمح بتهديد أمنه من الداخل، ولن يكون التحديث فيه غاية شكلية؛ بل دولة قوية بمؤسساتها، متماسكة بشعبها، عادلة بقانونها، ومنحازة لمصالح مواطنيها وقضايا أمتها.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.