خلف فرضية الاختراق القاتل : هل تقف إسرائيل وراء تفجير مستودعات أسلحة الجيش السوري ؟

مهدي مبارك عبدالله
في فجر الحادي والعشرين من سبتمبر الحالي لعام ألفين وستة وعشرين استفاقت بلدة العيس في ريف حلب الجنوبي على هدير انفجاراً غامض ومزلزل أضاء ليل الشمال السوري ودمر بالكامل مستودعات ضخمة مخصصة لأسلحة الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للدروع التابعة للجيش السوري حيث لم تكن هذه الحادثة المروعة مجرد حدث عسكري عابر في جغرافيا مثقلة بالجراح بقدر ما كانت صدمة استراتيجية أعادت إلى الواجهة التساؤلات الحارقة والمحقة حول طبيعة اليد الخفية والمباشرة التي تقف خلف هذا التدمير المنظم لترسانة الدفاع الجوي السوري في لحظة بالغة الحساسية تحاول فيها الدولة جاهدة إعادة بناء قدراتها العسكرية الذاتية لمواجهة التحديات الإقليمية الجديدة والمحيطة بحدودها الشمالية والجنوبية.
الأهمية البالغة لحادثة العيس تكمن في أنها تُعد الانفجار الكبير الرابع في مراكز عسكرية سورية استراتيجية خلال أسابيع قليلة وهو ما يسقط فرضية المصادفة البسيطة أو الحوادث الفردية المنعزلة ويؤكد وجود مخطط منسق تقف خلفه أجهزة استخباراتية دولية تملك التقنية والقدرة على الاختراق المنظم كما إن توالي هذه التفجيرات يشير إلى احتمال وجود غرف عمليات سوداء تدير حرباً صامتة وشاملة تستهدف العصب الدفاعي الجوي لسوريا بغرض إبقائها مكشوفة ومستباحة أمام القوى الخارجية وحرمانها من أبسط مقومات الردع التي تمكنها من حماية مجالها الجوي وإعادة فرض هيبتها السيادية على أراضيها ومراكزها الحيوية.
عمليا لفهم أسباب تعدد هذه الحوادث العنيفة وتفكيك طلاسمها المعقدة ينبغي تماماً الابتعاد عن منطق الهجوم المنفرد أو قراءة كل انفجار بشكل مستقل ومعزول عن سياقه الزمني والجغرافي المريب خاصة وان النظر إلى المشهد من زاوية استراتيجية أوسع يضع التحركات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة في صدارة المشهد التدميري حيث تتحرك تل أبيب برغبة جامحة لإدارة البيئة الأمنية المحيطة بها وبخاصة في جبهة الجولان المحتل والعمل على منع إعادة تشكل بنية عسكرية سورية متماسكة وقادرة على تغيير قواعد الاشتباك التقليدية أو تهديد العمق الإسرائيلي في أي مواجهة مستقبلية.
وفق هذا المنظور الاستراتيجي البارد لا يقتصر الهدف الإسرائيلي على تدمير مستودع محدد في حلب أو موقع لوجستي في ريف دمشق بل تتمثل القضية الأساسية والوجودية لتل أبيب في منع إعادة بناء القوة العسكرية السورية تدريجياً وإحباط أي محاولة لترميم وملئ مخازن الدفاع الجوي بالذخيرة لإن الكيان الصهيوني يرى في أي تماسك عسكري سوري جديد خطراً داهماً يهدد حريته المطلقة في استباحة الأجواء العربية ولذا فهو يسعى عبر هذه الضربات الممنهجة إلى إبقاء الجيش السوري في حالة استنزاف مستمر ودائم يمنعه من التقدم خطوة واحدة نحو مربع التوازن الدفاعي .
إذا ما تتبعنا التسلسل الزمني والتواريخ الجغرافية الدقيقة لهذه السلسلة من التفجيرات الغامضة سندرك حجم التنسيق الاستخباراتي العالي حيث بدأت هذه الموجة التدميرية بانفجار مرعب ومفاجئ في مستودعات سرمدا بريف إدلب في التاسع من سبتمبر الحالي مستهدفاً مخازن لوجستية حيوية وهذا الاستهداف المباشر في عمق الشمال السوري أرسل إشارات واضحة بأن الحرب الصامتة لا تعترف بالحدود الإدارية أو توازنات القوى المحلية بل تستهدف الترسانة العسكرية أينما وجدت لضمان شلل المنظومة الدفاعية السورية بشكل كامل.
المؤسف انه لم تكد تمضي ثلاثة أيام فقط على ضربة سرمدا حتى اهتزت منطقة الضمير بريف دمشق في الثاني عشر من سبتمبر الحالي على وقع انفجارات متتالية طالت مستودعات عسكرية شديدة الأهمية والحراسة في محيط العاصمة دمشق وإن تفجير الضمير وقع في قلب المركز الأمني والعسكري للدولة حيث أثبت أن الاختراق الاستخباراتي قد وصل إلى مستويات خطيرة جداً وأن هناك جهات قادرة على تحديد الأهداف بدقة وزرع العبوات التخريبية أو توجيه الضربات الصامتة دون ترك أي أثر ميداني يدل على هوية الفاعل المباشر .
مع استمرار هذا المسلسل التدميري الممنهج شهدت منطقة عياش بريف دير الزور في الثامن عشر من سبتمبر الحالي تفجيرات غامضة أخرى ايضا دمرت مستودعات ذخيرة حيوية تقع في شرق البلاد وعلى مقربة من خطوط الإمداد الحيوية وهذا التوزيع الجغرافي المدروس من إدلب في الشمال الغربي إلى دمشق في الجنوب وصولاً إلى دير الزور في الشرق ثم العيس في ريف حلب الجنوبي يبرهن على أن الساحة السورية تتعرض فعلا لعملية جراحية عسكرية استخباراتية تستهدف بتر مفاصل القوة الدفاعية وتفكيك كافة مراكز التخزين الاستراتيجية.
المعطيات الميدانية والشهادات الأهلية في بلدة العيس أكدت سماع أصوات تحليق مكثف لطيران مسيّر مجهول الهوية في ذات الساعة التي سبقت الانفجار الكبير مما يعزز فرضية الاستهداف الجوي الإسرائيلي المباشر عبر صواريخ موجهة و دقيقة ومخفية عن الرادارات وإن لجوء تل أبيب إلى سلاح الجو الصامت أو استخدام الطائرات الانتحارية بدون طيار يتناغم تماماً مع رغبتها في التملص من المسؤولية العلنية وتجنب إحراج الحكومة السورية التي تجد نفسها مضطرة لفتح تحقيقات فنية طويلة بدلاً من الرد العسكري المباشر
على جانب آخر لا يقل خطورة تشير التقديرات الأمنية المتعمقة إلى احتمال وجود تنسيق إسرائيلي وثيق مع عناصر محلية عميلة على الأرض تولت مهمة التخريب الداخلي وتوفير المعلومات الاستخبارية الحية والمشورة التقنية لتنفيذ التفجيرات من الداخل خصوصا وان هذا الأسلوب الاستخباري الملتوي يعفي إسرائيل من عبء الهجوم الجوي الصريح ويحقق ذات الأهداف التدميرية بكلفة سياسية وعسكرية معدومة مستغلةً حالة السيولة الأمنية والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد لتجنيد ضعاف النفوس وزرعهم كقنابل موقوتة داخل المقار العسكرية الحساسة .
من الواضح أن المخطط الإسرائيلي يسير باتجاه فرض واقع أمني جديد يمنع دمشق من الاستفادة من أي أسلحة أو منظومات دفاع جوي متطورة قد تكون تركتها القوات الروسية أو الإيرانية بعد إعادة تموضعها الأخير في المنطقة لإن الكيان الصهيوني لا زال يتعامل مع الأراضي السورية كمنطقة حظر دفاعي غير معلنة ويطبق فيها عقيدة الردع الاستباقي العنيف لقطع الطريق أمام أي جنرال سوري يفكر في تفعيل رادارات الإنذار المبكر أو نصب بطاريات صواريخ قادرة على إسقاط الطائرات الإسرائيلية المتسللة.
لمزيد من الفهم والتوضيح بمكننا القول انه حتى من دون إسناد هذه الحوادث المتزايدة بشكل قاطع ونهائي إلى أصابع إسرائيل الا إن تكرار الانفجارات المتلاحقة في قلب المراكز العسكرية الحيوية قد جعل من قضية أمن المستودعات والسيطرة المطلقة على السلاح وهشاشة البنية الدفاعية السورية قضية استراتيجية ملحة تستدعي المراجعة الفورية حيث يمكن عقلانياً وعملياً وفي وجهة نظر اخرى تفكيك اسرار ما حصل عبر احتمال حصول التفجير نتيجة سوء عمليات التخزين أو حدوث تلف مفاجئ في الذخائر والقذائف المكدسة لكن دون أن يعني هذا التفسير الفني تبرئة ساحة اسرائيل أو إسقاط فرضية وقوفها المباشر وراء الحادثة لان تسليط للضوء على مسالة اهمال الإجراءات الأمنية والوقائية الداخلية قد تسهل للعدو تحقيق مآربه التدميرية بكلفة أقل وبأدوات لوجستية غاية في البساطة.
في إطار التفاعل الرسمي مع هذا الحدث المزلزل أعلنت وزارة الدفاع السورية أن التحقيق في أسباب حادثة العيس مستمر ولم يغلق بعد وقد اشارت إلى أن الأجهزة الأمنية في دمشق تبحث بجدية احتمال تورط إسرائيل المباشر من دون توجيه اتهام رسمي ونهائي إليها حتى الآن بانتظار اكتمال الأدلة الجنائية ومن جانبها سارعت تل أبيب إلى نفي أي صلة لها بالانفجار مستخدمة أسلوب الغموض الاستراتيجي والتملص الدبلوماسي المعتاد وهو نفي بروتوكولي لا يغير من الحقيقة الميدانية شيئاً كون المستفيد الوحيد من هذا الرماد العسكري هو جنرالات الحرب في كيان الاحتلال الذين يراقبون تفكك القدرات السورية بارتياح كبير.
الملاحظ جليا إن الاستراتيجية الإسرائيلية في سوريا قد تحولت من ضرب خطوط الإمداد العابرة للحدود إلى ضرب البنية التحتية الدفاعية للجيش السوري نفسه في محاولة لفرض شلل بنيوي كامل يمنع الدولة من استعادة هيبتها العسكرية وهذا النمط من الحروب الصامتة يستهدف حرمان دمشق من امتلاك أي أوراق قوية في معادلات الصراع الإقليمي وإجبارها على الانكفاء الداخلي المستمر والقبول بوضع أمني هش تكون فيه الأجواء السورية مسرحاً دائماً ومباحاً للاستعراضات العسكرية والتجارب التسليحية لتل أبيب.
ما ينبغي فهمه جيدا إن الشلل السوري التام ورد الفعل الضعيف تجاه هذه الاختراقات المتكررة سوف يغري العدو الاسرائيلي الى مواصلة عمليات الاستهداف الممنهج للمستودعات العسكرية السورية كما سيزيد من جرأة المجموعات التخريبية المحلية النائمة على التحرك بحرية أكبر لجمع المعلومات وتحديد الإحداثيات لإن بقاء مراكز التخزين الاستراتيجية دون مظلة حماية حقيقية ودون تغيير جذري في العقيدة الأمنية وحراسة المنشآت يجعل من كل مستودع ذخيرة في سوريا هدفاً قادماً للتفجيرات الغامضة التي لا يبدو أنها ستتوقف قريباً.
في المتن التحليلي يتضح أن حرب المستودعات الصامتة تدخل في عمق معركة كسر الإرادة التي تستهدف الوعي الجمعي السوري قبل الترسانة العسكرية عبر إشاعة أجواء من الإحباط والشك في قدرة الدولة الجديدة على حماية شعبها ومقارها ومؤسساتها الدفاعية الأساسية كما إن نجاح إسرائيل في إبقاء هويتها مخفية ومستترة خلف التحقيقات الفنية المترددة يمنحها نصراً معنوياً وميدانياً مضاعفاً يمكنها من إدارة البيئة الأمنية للجولان بذكاء خبيث يعتمد على دماء وأيدي العملاء المحليين وتكنولوجيا الرصد الفضائي المتطورة .
ختاما : يبرز امامنا بقوة الاستنتاج الصارم والمصيري الذي يفرض نفسه على النخبة العسكرية والسياسية السورية بضرورة الاستفاقة الفورية ومواجهة هذه الحرب الاستخباراتية الشاملة بسياسات أمنية جديدة تضرب بيد من حديد على أعناق شبكات التخريب والعمالة المحلية التي تبيع أمن الوطن لقاء حفنة من الأموال المغسولة بالخيانة وان الاعتماد على فرضيات الإهمال الفني وسوء التخزين لم يعد ينطلي على أحد وبات يشكل ضوء أخضر للعدو الصهيوني لمواصلة سحق وتدمير ما تبقى من عناصر القوة السورية الذاتية لذا فإن تنظيف البيئة الأمنية الداخلية وتطوير منظومات الحراسة السرية والمتحركة وكشف خطوط الاتصال التخريبية هو طوق النجاة الوحيد والرد الحقيقي المستحق لاستعادة هيبة الدولة السورية وحفظ دماء جنودها وصون ترابها ومستودعاتها من نيران الغدر الإسرائيلي الصامت والمستعر الذي يهدف إلى محو هيبتها العسكرية وإبقائها عارية تحت رحمة طائراتها الحربية والمسيرة .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

