ربح البيع ابن جنين ابا جعفر


مهدي مبارك عبدالله

=

 

بقلم /مهدي مبارك عبد الله

 

قال تعالى ( والذين اووا ونصروا اولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة وارزق كريم ) صدق الله العظيم

كان العرب يتفاخرون بمن يحسن الإجارة ويقدم الأمان للمستجير والتي تعدّ من السجايا التي يحرصون عليها ويتباهون بها لأنها دلالة أكيدة على الشيم والقيم وبرهان صادق على النبل والأخلاق والكرم وقد خلد التاريخ شخصيات عرفت بأفعالها السامية بتوفير الحماية وتحقيق الأمان لمن استجار بهم والشاعر الفرزدق الشهير كان واحداً ممن عُرف بتلك القيمة بإجارة كل من آوى إليه لدرجة قيل عنه بأنه كان يجير حتى من استجار بقبر أبيه

كما كانت العرب تعيب كثيراً على من ينكث بعهد من أجاره او يختل به ويعدّون ذلك وصمة عار لا يمحوها الزمن لدرجة أنهم كانوا يجيرون حتى غير بني الإنسان ومما يروى عن أبي حنبل بن مرّ أنه وقع سرب من الجراد حول داره فجاءه قومه يهرعون إليه قال لهم ما شأنكم؟ قالوا نريد جارك يقصدون الجراد قال أما وقد جعلتموه جاري فوالله لا تصلون إليه حتى طار الجراد من عنده

وفي التاريخ الإسلامي تبرز إجارة أم هانئ بنت أبي طالب وقبول ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام عندما فر إليها اثنان من بني مخزوم في عام فتح مكة وكاد أخوها علي بن أبي طالب ان يقتلهما فقفلت عليهما الباب وذهبت إلى الرسول عليه السلام وبعد أن سألها عن سبب مجيئها أخبرته بما فعلت فقال عليه السلام ( أجرنا من أجرت يا أم هانئ وأمنّا من أمّنت ) وفي ذلك تحبيب لفعل الخير

وفي اردننا الغالي لنا في قصة النخوة والمروءة التي سطرها بمداد الدم والرجولة والشهامة الزعيم الكركي الغساني البطل الشيخ ابراهيم الضمور اضافة الى الموقف العظيم لزوجته ( عليا العقول ) الف عبرة وعضة حين قصد الثائر الفلسطيني ( قاسم الاحمد ) بيت الشيخ ابراهيم الضمور في الكرك بعد تمرده على الظلم والحيف العثماني ليجد زوجته وحيدة في البيت حيث طلب منها الحماية من ظلم القائد إبراهيم باشا ابن محمد علي الالباني حاكم مصر وقبل ان تعرف اخت الرجال أن ضيفها من أهم زعامات جبل نابلس رحبت به واجارته وحين عاد الشيخ إبراهيم الى بيته وجد قاسم الأحمد فيه فاحتضنه مرحباً واعطاه الامان واصبح يستضاف يوميا في بيوت ابناء الكرك ويلتفوا حوله كعزوة واهل يمنعون الاخطار عنه لكن القدر شاء أن يكتشف الخونة والمندسون وجوده ومكانه

بعدها حاصر ابراهيم باشا الكرك وطلب تسليمه فرفض الشيخ الضمور بمعية العشائر الكركية ذلك وتحصنوا بالرجولة والشجاعة والصبر رفضا للوقوع في نار الفضيحة والعار بتسليم المستجير لديهم واثناء ذلك وقع نجلا ابراهيم الضمور ( سيد وعلي ) في قبضة العسكر العثمانيين وبدأ قائدهم يساوم والدهما على تسليم قاسم الاحمد والمدينة وإلا أحرق ولديه وكان ابراهيم الضمور الانسان في مصابه يفكر بمشاعر زوجته وام ولديه

لكنه اخبرها بالأمر وبكل الانفة والكبرياء اجابته الرأي اولا لك لكن اعلم يا شيخ والله ما على الحياة أسف بعد العرض والشرف وان شرفك وعزة نفسك وشرف الكركيات أولى عندي من حياة ولداي ( سيد وعلي ) وقالت ( حنا ما تعودنا نسلم الدخيل ) في الأولاد ولا في البلاد الأولاد فيهم عوض أما الشرف والناموس ماله عوض والموت ولا المذلة ثم بدأت المواجهات بين الطرفين واحرق عندها جنود ابراهيم باشا ولدي الشيخ الضمور اما عينيه بعدما رفض تسليم دخيله وللقصة تفاصيل اكثر لا يتسع ذكرها

في الوقت الذي كان فيه قادة الاحتلال يتفاخرون بجواسيسهم وعملائهم واذنابهم في مساعدتهم للوصول الى الاسرى الاحرار ابطال عملية سجن جلبوع البواسل لاعتقالهم كنا نحن العرب والمسلمين نتباها ونزهو بان هنالك الملايين من الفلسطينيين الوطنين الشرفاء والاحرار والصادقين الاخيار اهل الهمة والعزيمة والنخوة والنجدة الذين يتحرقون شوقا ويترقبون شغفا بان يطرق ابوابهم أي من هؤلاء الاسرى الستة الابطال ليستقبلوه بالترحاب والتكريم والتقدير والاعجاب في بيوتهم ويقدموا له الامان والحماية والرعاية والمأوى والملبس والمأكل والمشرب

مهما كلف ذلك من معانا ومسائلة وعواقب وتضحيات جراء حماية الدخيل وهذا ما فعله العريس البطل ( محمد ابو جعفر ) 29 عام بشرف عظيم وموقف جليل سيسطره التاريخ بحروف الفخار والاكبار حيث يندر فعله
حينما اجار وحمى في بيته الأسيرين المحررين مناضل نفيعات وايهم كممجي بعد تمكنهما من اجتياز جميع الحواجز الامنية وعيون العسس وبوابات جدار الفصل العازل والوصول الى مدينة جنين بدافع الخوف وانعدام الأمن وتوقع القتل والتنكيل والاعتقال في أية لحظة من قبل قوات الاحتلال الغاشمة بعد فرارهما من السجن الرهيب

ليس غريب ابدا ما فعله البطل عبد الرحمن من مأثرة مشرفة وهو الذي ينحدر من اسرة فتحاوية فدائية ومناضلة عرفت بالعطاء المتواصل والمقاومة والتضحية والفداء وهو شقيق ايهاب ابو جعفر احد قادة كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح الذي اغتالته اسرائيل قبل عدة اعوام وهذا ما اهلته دون أي تفكير او تردد في استضافة الاسيرين الفارين من سجنهما واللذان تبحث عنهما دولة كاملة بكل قدراتها العسكرية والبشرية والتكنولوجية وهو ايضا العريس الجديد الذي لم يمنعه احتفاله بزفافه في الأول من ايلول الجاري أي قبل نحو 20 يوم وبعد ستة أيام فقط من زواجه استقبل الاسرين المحررين في بيته غير ابه بكل المخاطر والتحديات والتبعات حيث كان يعلم علم اليقين ماذا يعني ايواء اسرى الحرية في منزله والخطر العظيم الذي يترتب عليه واحتمالية هدم منزله وقتله وابادة افراد اسرته

لقد اصبح الشاب البطل عبد الرحمن ابو جعفر تاجر الملابس الذي لم يفكر بتجارته ولا بمصير امواله سابع اسرى نفق الحرية وها هو يكمل الان شهر عسله في زنازين الاحتلال بعد محاصرة منزله الذي تواجد فيه الأسيرين في المنطقة الشرقية من مدينة جنين بالضفة الغربية المحتلة والقاء القبض عليه بعدما سلّم الاسرين نفسيهما طوعا خوفا على مصير العائلة التي يحتميان لديها من بطش وجبروت الاحتلال في صورة ناصعة من اروع معاني الشهامة والأخلاق والمواقف البطولية والإنسانية بكل مضامينها الحقيقية

نتوجه اليوم بصادق الفخر والاعتزاز واطيب التحية والتقدير للبطل عبد الرحمن ابو جعفر وصديقه وقريبه الشاب محمود رضوان أبو جعفر الذي اعتقل معه ليكملا فصول ملحمة نفق الحرية بموقفهما المشرف والذي سيكون نموذجًا ملهمًا لكل الأحرار حين رسما ببطولة فريدة اسطورة الفلسطيني الوطني المنتمي والمساند والحامي للثوار والمقاومين الشرفاء كما اكدا من جديد بأن حقوق الشعب الفلسطيني تنتزع انتزاعًا ولا تستجدى وأن شعاع الحرية والخلاص سيسطع مهما طال الزمان واشتد قيد وقهر السجان وان الاسرى ماضين على طريق الحرية ولن يغطي اعتقال البطلين على حجم الانتصار الذي وضع العدو في حجمه الطبيعي كألعوبة يسخر منها الجميع

وستبقى جنين ومخيمها حصنًا متينًا ومهدًا للثوار وشوكة في حلق المحتلين وسيظل الشعب الفلسطيني العظيم سورًا عاليًا ودرعًا قويًا يحتضن ويدافع عن الأسرى اولئك الذين خرجوا مطاردين في أحضان أوطانهم لا لشيء سوى أنهم يقاومون محتلا مجرم غصب أرضهم وهم يقاومونه بشراسة ويقدموا أغلى ما يملكون من أجل عدالة قضيتهم وتحقيق حريتهم

ختاما يبدو انه من حسن طالع العريس الفلسطيني عبد الرحمن وصديقه انهما اصبحا السند والظهير والمثال الخالد للعطاء والنموذج الابدي للتضحية والقيمة الباقية للشهامة والنخوة والشجاعة والجرأة التي سوف تسطرها وتوثقها ذاكـرة المجـد وإشراقة الرجولـة الوطنية الفلسطينية على مر السنين وتعاقب الاجيال بعد ايوائهما وحمايتهما للأسرين المحررين ودفاعهما عن حياتهما وحقهما في الحرية والكرامة على ارض وطنهما المحتل وهما بالتأكيد مناضلان جديران فعلاً بالتقدير والتكريم من الجميع
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.