ربط ترخيص المركبات بدفع المخالفات وربط تأمين المركبات بترخيصها بين الضبط والمخاطر !!

محامي محمد صدقي الغرايبة
في سياق سعي الدولة إلى فرض الانضباط المروري وتعزيز الامتثال للقانون، برز توجه إداري يقوم على ربط ترخيص المركبات بتسديد المخالفات المتراكمة، وربط التأمين الإلزامي بوجود ترخيص ساري المفعول، وهو توجه يبدو في ظاهره منسجماً مع متطلبات النظام العام، إلا أن تطبيقه بصورته الجامدة يطرح إشكاليات قانونية واجتماعية عميقة تتجاوز حدود التنظيم إلى التأثير المباشر في حياة الأفراد واستقرارهم، بل وتمتد إلى المساس بجوهر الحماية التي يفترض أن يوفرها التأمين للغير قبل المؤمن له.
فمن حيث الأصل، لا خلاف على أن للإدارة سلطة تنظيمية تخولها اتخاذ ما يلزم لضبط المرافق العامة، ومن بينها مرفق المرور، كما أن تحصيل المخالفات المالية حق مشروع للدولة، وربط بعض الخدمات الإدارية بالوفاء بالالتزامات المالية قد يشكل أداة ضغط مشروعة لضمان الامتثال، غير أن هذه المشروعية تظل مقيدة بمبادئ راسخة في الفقه والقضاء الإداري، وعلى رأسها مبدأ التناسب وعدم التعسف، بحيث لا تتحول الوسيلة إلى عقوبة مضاعفة تتجاوز الغاية التي شرعت من أجلها، ولا سيما حين يكون عدم السداد ناتجاً عن عجز حقيقي لا عن امتناع متعمد.
وتبرز خطورة هذا النهج بشكل أوضح عند النظر إلى مسألة التأمين الإلزامي، إذ إن فلسفة هذا التأمين لا تقوم على حماية مالك المركبة فحسب، بل على حماية الغير من الأضرار الناجمة عن حوادث السير، وبالتالي فإن حرمان شريحة من مالكي المركبات من الحصول على التأمين بسبب عدم قدرتهم على ترخيص مركباتهم يفضي عملياً إلى إخراج عدد غير قليل من المركبات من مظلة الحماية التأمينية، وهو ما يعني أن الضحية في حال وقوع حادث قد تجد نفسها دون جهة ضامنة للتعويض، الأمر الذي يقوض الغاية الأساسية التي من أجلها فرض التأمين الإلزامي أصلاً.
وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فإن ربط الترخيص بالسداد الكامل للمخالفات يتجاهل واقعاً لا يمكن إنكاره، يتمثل في وجود فئات واسعة تعاني من ضغوط مالية متراكمة، تجعل من تسديد المخالفات دفعة واحدة أمراً بالغ الصعوبة، وهو ما يؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في زيادة أعداد المركبات غير المرخصة التي تستمر في السير بحكم الحاجة، لا بحكم المخالفة المتعمدة، الأمر الذي يفاقم المخاطر المرورية بدلاً من الحد منها، ويخلق فجوة بين النص القانوني والواقع العملي، كما يضعف الثقة بالإجراءات الإدارية حين ينظر إليها باعتبارها إجراءات عقابية لا تراعي الظروف الاقتصادية للأفراد.
ومن زاوية قانونية أعمق، يمكن القول إن هذا الربط، وإن استند إلى أساس تنظيمي، قد يرقى في تطبيقه المتشدد إلى قيد غير مباشر على حقوق أساسية، كحق التنقل وحق العمل، خاصة في مجتمع يعتمد فيه كثير من الأفراد على مركباتهم كمصدر رزق أو وسيلة أساسية لقضاء شؤونهم اليومية، الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة النظر في مدى انسجام هذه الإجراءات مع مبادئ العدالة والمساواة، بحيث لا يصبح الالتزام بالقانون حكراً على القادرين مالياً، ولا يتحول العجز إلى سبب للإقصاء من المنظومة القانونية.
إن استمرار هذا النهج دون مرونة يحمل في طياته مخاطر حقيقية، من بينها اتساع دائرة المركبات الخارجة عن الإطار القانوني، وزيادة النزاعات المرتبطة بالحوادث غير المؤمن عليها، وإثقال كاهل الجهات العامة أو صناديق التعويض بأعباء إضافية، فضلاً عن خلق بيئة ظاهرها الانضباط وباطنها التفلت، وهو ما يتناقض مع الهدف المعلن لهذه السياسات.
وعليه، فإن المعالجة المتوازنة لا تقتضي إلغاء الربط بشكل كامل، بل إعادة صياغته ضمن إطار أكثر عدلاً وواقعية، يقوم على تمكين الأفراد من تسوية أوضاعهم دون إخراجهم من المنظومة القانونية، وذلك من خلال اعتماد آليات مرنة كتقسيط المخالفات وربط الترخيص بالالتزام بخطة سداد بدلاً من السداد الفوري، والسماح بالحصول على تأمين ولو بصورة مشروطة أو مؤقتة، مع التمييز بين المخالفات الجسيمة التي تمس السلامة العامة وتلك البسيطة، بما يحقق التوازن بين الردع والعدالة.
المحامي
محمد الفرايبه

