رحيل المناضل الأممي الياباني كوزو أوكاموتو … وبقاء فلسطين قضية أحرار العالم


مهدي مبارك عبدالله

 

لم يكن رحيل المناضل الياباني كوزو أوكاموتو يوم الخميس 24 تموز الماضي 2026 مجرد خبر وفاة لشخصية ارتبط اسمها بحدث تاريخي مثير للجدل بل كان بمثابة إغلاق صفحة من ذكريات القرن العشرين التي شهدت صعود حركات التحرر العالمية وتحول المأساة الفلسطينية من قضية وطنية محاصرة إلى قضية إنسانية وسياسية تجاوزت حدود الشرق الأوسط لتصل إلى مختلف قارات وشعوب بعيدة.

البطل أوكاموتو الذي حمل ياباني بندقية فلسطين غادر العالم عن عمر ناهز التاسعة والسبعين وبقيت القضية صوتًا لأحرار العالم وقد كان واحدًا من آخر الشهود على مرحلة مختلفة من تاريخ الثورة الفلسطينية كانت فيها فلسطين حاضرة في وجدان حركات التحرر العالمية من اليابان إلى أمريكا اللاتينية ومن أفريقيا إلى أوروبا حيث كان فيها كثير من الناشطين حول العالم يرون أن الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني هو جزء اصيل من معركة أوسع ضد الاحتلال والهيمنة والظلم.

الحقيقة ان أوكاموتو لم يكن فلسطينيًا ولا عربيًا ولم تكن له جذور تاريخية في المنطقة لكنه اختار في شبابه أن ينضم إلى تيار ثوري عالمي رأى أن القضايا العادلة لا تحددها حدود الجغرافيا حيث انخرط في صفوف الجيش الأحمر الياباني الذي تأسس في بداية السبعينيات بقيادة المناضلة فوساكو شيغينوبو وهو منظمة يسارية راديكالية كانت تؤمن بفكرة النضال الأممي والتضامن بين الحركات الثورية في مختلف أنحاء العالم.

السيرة الذاتية للبطل المقلب باحمد الياباني تشير الى ان انضمامه إلى النضال المرتبط بالقضية الفلسطينية جاء في مرحلة كانت فيها الثورة الفلسطينية تبحث عن كسر العزلة الدولية وإيصال صوت الشعب الفلسطيني إلى العالم حين كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من أكثر التنظيمات الفلسطينية اهتمامًا ببناء علاقات مع الحركات الثورية العالمية عبر شخصية المناضل الراحل وديع حداد مسؤول العمليات الخارجية الذي أدرك أن الصراع مع إسرائيل لا يدور فقط في الميدان العسكري وإنما أيضًا في ساحات الإعلام والسياسة والرأي العام الدولي.

للتاريخ والانصاف الدكتور حداد كان أحد أبرز العقول التنظيمية في الثورة الفلسطينية خلال تلك المرحلة وقد امتلك عقلية ورؤية تقوم على أن القضية الفلسطينية تحتاج إلى أن تصبح قضية عالمية لا قضية محلية أو إقليمية فقط ولذلك كون ونسج علاقات مع حركات يسارية سياسية من مناطق بعيدة في العالم منطلقًا من قناعة بأن الشعوب التي خاضت تجارب الاستعمار والاحتلال يمكن أن تجد أرضية مشتركة مع الشعب الفلسطيني.

في الجانب الآخر كان الكاتب والروائي المبدع غسان كنفاني يمثل صوت الثورة الثقافي والفكري حيث استطاع عبر كتاباته وأعماله الصحفية والأدبية أن يقدم فلسطين للعالم باعتبارها قضية إنسانية قبل أن تكون مجرد ملف سياسي حيث جمع بين المشروع الفلسطيني في تلك المرحلة وبين الكلمة والبندقية، بين العمل السياسي والثقافي، وبين السعي إلى التحرير والسعي إلى كسب الرأي العام العالمي.

في هذا المناخ التاريخي جاءت عملية مطار اللد عام 1972 التي أصبح اسم كوزو أوكاموتو مرتبطًا بها إلى الأبد فقد نفذ أوكاموتو برفقة اثنين من رفاقه اليابانيين العملية في مطار اللد قرب تل أبيب ضمن تعاون وتنسيق مع قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حيث كانت تهدف وفق تصور منفذيها إلى نقل القضية الفلسطينية إلى قلب الاهتمام العالمي.

العملية في حينها أثارت ردود فعل واسعة في العالم بسبب طبيعة منفذيها اليابانيين اضافة الى سقوط كبير من الضحايا خلالها وقد أصبحت منذ ذلك الوقت موضع خلاف كبير في تقييمها بين من اعتبرها جزءًا من استراتيجية النضال المسلح التي هدفت إلى لفت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية ومن أدانها بسبب استهداف المدنيين ورفض أي مبررات لاستخدام العنف ضدهم.

الثابت المؤكد أن العملية شكلت حدثًا مفصليًا في تاريخ الصراع – الفلسطيني الصهيوني فقد دفعت العالم إلى إعادة النظر في حضور القضية الفلسطينية على الساحة الدولية كما أثرت في طريقة تعامل الدول مع أمن المطارات والمنشآت المدنية وأكدت ايضا أن القضية الفلسطينية أصبحت في ذلك الزمن قضية تتجاوز حدود المنطقة.

بعد عملية مطار اللد بدأت مرحلة جديدة في حياة كوزو أوكاموتو امتدت لأكثر من عقد خلف قضبان السجون الإسرائيلية حيث ألقي القبض عليه حيًا وحوكم في إسرائيل وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد ليصبح واحدًا من أشهر الأسرى الأجانب المرتبطين بتاريخ الثورة الفلسطينية.

واقعيا قضية أوكاموتو لم تكن آنذاك مجرد ملف قضائي بل تحولت إلى قضية سياسية مرتبطة بملفات الأسرى الفلسطينيين وبالعلاقات بين الفصائل الفلسطينية والقوى الدولية التي كانت تتقاطع معها في تلك المرحلة وفي عام 1985 أطلق سراحه ضمن صفقة التبادل المعروفة باسم صفقة الجليل بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة التابعة لأحمد حبريل وإسرائيل والتي شكلت إحدى أكبر عمليات تبادل الأسرى في تاريخ الصراع.

بعد خروجه من السجن لم يعد أوكاموتو إلى اليابان التي بقي مطلوبًا فيها بل انتقل إلى ليبيا ثم سوريا واخيرا لبنان حيث عاش بقية حياته تقريبًا بعيدًا عن الأضواء وهناك بدأت مرحلة مختلفة من مسيرته فلم يعد الرجل مقاتلًا في ساحة مفتوحة وإنما أصبح شاهدًا على زمن مضى يحمل ذاكرة مرحلة كانت فيها بيروت إحدى أهم عواصم العمل السياسي والعسكري الفلسطيني والعربي.

خلال إقامته في لبنان أعلن أوكاموتو اعتناقه الإسلام أثناء وجوده في سجن رومية وهي محطة شخصية في حياته حملت بالنسبة إليه بعدًا روحيًا وفكريًا خاصًا وقد أكد أن هذا التحول كان نابعًا من قناعة شخصية وتجربة إنسانية عاشها خلال سنوات طويلة من الأسر وليس مجرد موقف سياسي مرتبط بالظروف المحيطة به.

قصة أوكاموتو النضالية تكشف جانبًا مهمًا من تاريخ القضية الفلسطينية وهو قدرتها على تجاوز الحدود القومية والجغرافية فقد كانت فلسطين خلال النصف الثاني من القرن العشرين مصدر إلهام لحركات تحرر عديدة ليس لأنها كانت تشبه كل تلك التجارب وإنما لأنها أصبحت في نظر كثيرين رمزًا لمعركة أكبر حول الاحتلال والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

في بلاده الاصل اليابان وجد بعض الناشطين اليساريين في القضية الفلسطينية امتدادًا طبيعي وعضوي لمعاركهم الفكرية ضد الهيمنة الأجنبية والنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وفي أمريكا اللاتينية ربطت قطاعات واسعة من حركات اليسار بين النضال الفلسطيني وتجارب التحرر التي خاضتها شعوب المنطقة ضد الدكتاتوريات والتدخلات الخارجية.

انطلاقا من كوبا ونيكاراغوا إلى جنوب أفريقيا ومن الجامعات الأوروبية إلى الحركات الشعبية والنقابية في مناطق مختلفة من العالم بقيت فلسطين حاضرة في خطاب التضامن الدولي وقد اختلفت دوافع هذا التضامن بين منطلقات سياسية وأيديولوجية وإنسانية لكن القاسم المشترك بينها كان أن قضية فلسطين استطاعت الوصول إلى ضمائر شعوب لم تكن لها علاقة مباشرة بجغرافيا الشرق الأوسط.

هنا تظهر أهمية شخصية مثل أوكاموتو في قراءة التاريخ ليس باعتباره مجرد فرد شارك في حدث ثوري معين وإنما باعتباره جزءًا من ظاهرة سياسية وفكرية واسعة سادت في القرن العشرين وهي الفورة الأممية الثورية التي اعتقدت أن مواجهة الظلم لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الوطن الام.

الامانة العلمية والرؤية الفكرية الموضوعية والمحايدة تؤكد ان قراءة التاريخ بموضوعية تقتضي الاعتراف بأن تلك المرحلة كانت مليئة بالتعقيدات والتناقضات حيث شهدت صراعات فكرية وسياسية حادة واستخدمت فيها بعض التنظيمات أساليب أثارت جدلًا واسعًا حول العالم ولذلك بقي تقييم شخصيات مثل أوكاموتو مرتبطًا باختلاف الرؤى السياسية والأخلاقية حول طبيعة الصراع ووسائل مقاومته.

مع كل ذلك فإن الحقيقة التي تبقى ثابتة هي أن القضية الفلسطينية امتلكت طوال تاريخها قدرة نادرة على خلق روابط تضامن عابرة للقارات وقد استطاعت أن تجعل من فلسطين موضوعًا حاضرًا في الأدب والفن والسياسة والحركات الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم وأن تنتقل سريعا من حدود الجغرافيا إلى فضاء القضايا الإنسانية الكبرى.

المفارقة التاريخية الأبرز أن أوكاموتو رحل في زمن تعود فيه فلسطين مرة أخرى إلى صدارة المشهد العالمي بعد عقود من محاولات تهميش القضية وإبعادها عن الاهتمام الدولي عادت صور المعاناة الفلسطينية لتشعل موجات تضامن واسعة بين الشعوب خصوصًا لدى الأجيال الجديدة التي لم تعش زمن الثورة الفلسطينية الأولى ومقاومتها الباسلة لكنها تعرف اليوم فلسطين وشعبها من خلال سؤال العدالة وحقوق الإنسان.

إن عودة القضية الفلسطينية إلى قلب الاهتمام العالمي في السنوات الأخيرة تؤكد أن القضايا الكبرى لا تنتهي بانتهاء مرحلة تاريخية أو برحيل الشخصيات التي ارتبطت بها. فالأسماء تغيب لكن الأفكار والقضايا التي تمس وجدان الشعوب تبقى حاضرة وقادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة.

لقد كان جيل كوزو أوكاموتو يعيش زمنًا مختلفًا، زمن الحرب الباردة وصعود حركات التحرر الوطني وانتشار فكرة الأممية الثورية التي رأت أن الشعوب المظلومة في مختلف القارات تخوض معركة واحدة ضد أشكال متعددة من الهيمنة والاحتلال. أما الأجيال الجديدة فتتعامل مع القضية الفلسطينية من خلال مفردات مختلفة تقوم على القانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة الإنسانية، لكن الرابط بين الماضي والحاضر يبقى هو استمرار حضور فلسطين كقضية لم تفقد قدرتها على التأثير.

فلسطين لم تكن يومًا مجرد قضية حدود أو نزاع سياسي عابر، بل أصبحت على مدى عقود رمزًا عالميًا لقضايا الحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ولهذا وجد إلى جانبها متضامنون من خلفيات وثقافات وأديان مختلفة، بعضهم جاء من منطلقات سياسية، وبعضهم من منطلقات إنسانية، لكنهم جميعًا التقت مواقفهم عند الاعتقاد بأن معاناة الشعوب لا ينبغي أن تُنسى.

إن استحضار سيرة أوكاموتو اليوم لا يعني تجاهل الجدل الكبير الذي أحاط بتجربته، ولا اختزال التاريخ في رواية واحدة، وإنما يعني فهم مرحلة كاملة من تاريخ الثورة الفلسطينية والعالم. مرحلة كانت فيها فلسطين قادرة على بناء جسور مع شعوب بعيدة عنها، وكانت فيها القضية الفلسطينية حاضرة في الجامعات والنقابات والحركات السياسية والثقافية في مختلف القارات.

اللافت بوضوح في هذا الاتجاه ان الثورة الفلسطينية في ذلك الزمن أكثر من مشروع سياسي تحول إلى ظاهرة عالمية لفت انتباه الملايين وكان من بين أسباب هذا الحضور قدرتها على تقديم نفسها كجزء من حركة التحرر العالمي والتواصل مع شعوب خاضت تجارب مشابهة في مواجهة الاستعمار والاحتلال والتمييز.

على هذا الاساس يمكن فهم لماذا بقيت أسماء مثل وديع حداد وغسان كنفاني وغيرهما من رموز تلك المرحلة حاضرة في الذاكرة الفلسطينية والعربية حيث مثلوا زمنًا كانت فيه القضية الفلسطينية تمتلك حضورًا دوليًا واسعًا وكانت المعركة من أجل فلسطين تخاض بالكلمة والفكر والسياسة إلى جانب أشكال أخرى من النضال والمقاومة.

لقد غادرنا كوزو أوكاموتو بعدما حمل معه ذاكرة مرحلة كاملة لكنه ترك خلفه سؤالًا أكبر من شخصه وهو كيف استطاعت فلسطين أن تتحول من قضية شعب يعيش تحت الاحتلال إلى قضية عالمية يتفاعل معها الناس في كل القارات والإجابة تكمن في أن القضايا المرتبطة بالحرية والكرامة الإنسانية عادة لا يمكن حصرها في حدود سياسية أو جغرافية.

قد يختلف المؤرخون والسياسيون في الحاضر والمستقبل حول تقييم تجربة أوكاموتو ودوره وقد تبقى بعض أحداث تلك المرحلة موضع نقاش طويل لكن ما لا يمكن إنكاره أن فلسطين كانت ولا تزال قادرة على خلق مساحات واسعة من التضامن الدولي وأنها استطاعت عبر عقود طويلة أن تكون نقطة التقاء بين شعوب مختلفة في ثقافاتها وتجاربها.

برحيل كوزو أوكاموتو تطوى صفحة من صفحات الأممية الثورية التي طبعت القرن العشرين بكل أحلامها وصراعاتها وتناقضاتها لكن فلسطين التي كانت إحدى أبرز قضايا ذلك العصر تبقى حاضرة في القرن الحادي والعشرين لا باعتبارها ذكرى تاريخية فقط، وإنما باعتبارها قضية مستمرة تبحث عن العدالة والسلام والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ختاما الابطال والشرفاء يرحلون بصمت والسنوات تمضي والظروف الدولية تتغير لكن القضايا التي تجد طريقها إلى ضمير الشعوب لا تموت ومن بين تلك القضايا تبقى فلسطين واحدة من أكثر القضايا حضورًا في ذاكرة العالم لأنها لم تكن مجرد قصة شعب يبحث عن أرضه بل مأساة شعب وإنسان يبحث عن حريته وكرامته وحقه في مستقبل عادل.

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.