رمضان بين روح الصيام وشراهة الاستهلاك


محامي محمد صدقي الغرايبة

في شهر رمضان، حيث يُفترض أن تتراجع وتيرة الاستهلاك لا أن تتضخم، نُفاجأ كل عام بمشهدٍ معكوسٍ تماماً لجوهر الصيام. فالأصل أن الإنسان في الأيام العادية يتناول ثلاث وجبات رئيسية، بينما يقتصر الأمر في رمضان – من الناحية المنطقية – على وجبة إفطار رئيسية، مع سحورٍ يظل خياراً شخصياً أو وجبة خفيفة في أحسن الأحوال. ومع ذلك، تتحول الأسواق قبيل الشهر الفضيل إلى ساحات سباقٍ محموم، وكأننا مقدمون على حصارٍ طويل لا على شهر عبادةٍ وزهدٍ وانضباط.

هذا التهافت على شراء المواد التموينية لا يمكن تبريره بحاجةٍ واقعية، بل هو انعكاس لثقافة استهلاكية متجذرة، تتغذى على الخوف المصطنع من النقص، وعلى وهم “التخزين الاحترازي” الذي يتجاوز حدود المعقول. يمتلئ كل بيت بما يفوق حاجته، وتتكدس المواد الغذائية في الخزائن والثلاجات، ثم ينتهي جزء غير قليل منها في سلة المهملات، في مفارقةٍ صارخة بين قدسية الشهر وسلوكيات بعض أبنائه.

رمضان في جوهره مدرسةٌ لضبط الشهوة لا لإطلاقها، ولإعادة ترتيب الأولويات لا لإرباكها. هو شهر الإحساس بالجائع، لا شهر استعراض الموائد العامرة بما لذّ وطاب. فكيف يستقيم أن يتحول الصيام – الذي شُرع لتقليل التعلق بالماديات – إلى موسمٍ لزيادة الاستهلاك، ورفع معدلات الهدر، وإثقال كاهل الأسر بمصاريف إضافية قد لا طائل منها؟

إن أخطر ما في هذا السلوك ليس أثره الاقتصادي فحسب، رغم أهميته، بل أثره القيمي. إذ يرسّخ في الأذهان أن رمضان شهر أطعمةٍ وحلوياتٍ وعروضٍ تجارية، لا شهر عبادةٍ ومراجعةٍ للنفس. وتتبدل الأولويات من التحضير الروحي إلى التحضير التمويني، ومن تهيئة القلب إلى ملء السلال.

النقد هنا ليس موجهاً لمن يشتري حاجته المعقولة، ولا لمن يستعد بما يكفيه وأهله بقدرٍ متوازن، وإنما لمن يجعل من رمضان ذريعةً للإفراط، ومن الخوف من “الندرة” مبرراً للتخمة. فلو التزم الناس بحدود الاستهلاك الطبيعي، لوجدوا أن رمضان – من حيث الحساب البسيط – شهرُ تقليلٍ لا تكثير، وشهرُ اقتصادٍ لا إسراف.

ربما آن الأوان أن نُعيد تعريف الاستعداد لرمضان: أن يكون الاستعداد بتقليل المشتريات لا مضاعفتها، وبترشيد الاستهلاك لا توسيعه، وبإحياء قيمة القناعة لا ثقافة التخزين. فالصيام الذي لا ينعكس على سلوكنا الشرائي، يظل ناقص الأثر في تهذيب النفس، مهما طال الامتناع عن الطعام لساعات.

رمضان ليس موسماً للشراء، بل محطة لإعادة التوازن… ومن لم يتعلم فيه الاعتدال، فمتى يتعلم؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.