زيت الزيتون… حين تخفق المؤسسات في إدارة التدخل

محامي محمد صدقي الغرايبة
لم يكن مشهد الطوابير التي اصطفت منذ ساعات الصباح الباكر أمام فروع المؤسسات لشراء زيت الزيتون المستورد حدثًا عابرًا، بل كان مرآة عاكسة لخللٍ مؤسسي في إدارة ملف بالغ الحساسية الاقتصادية والاجتماعية.
فالقرار باستيراد زيت الزيتون جاء استجابةً لاختلال حقيقي في السوق، وهو في جوهره خطوة صحيحة ومبررة. لكن المشكلة لم تكن في القرار، بل في كيفية تنفيذ المؤسسات المعنية له، وفي الأدوات الإدارية التي استخدمتها لتحويل هذا القرار من فكرة إلى واقع.
عندما تتولى مؤسسة عامة تنفيذ سياسة تدخل في سوق سلعة استراتيجية، فإن دورها لا يقتصر على التوريد والتوزيع، بل يمتد إلى التخطيط والتقدير والتنظيم. وكان يفترض أن يسبق الاستيراد سؤال مركزي: ما حجم العجز الفعلي في السوق؟ وما هي الكمية التي تكفي لسد هذا العجز دون خلق طلب مصطنع أو فوضى توزيع ؟
غير أن ما بدا للناس اليوم يوحي بأن هذا السؤال إما لم يُطرح، أو لم يُؤخذ على محمل الجدية.
ثم جاء الخلل الأكبر في آلية التوزيع. في زمن تتوافر فيه قواعد بيانات وطنية وأنظمة دفع إلكتروني ومنصات حجز رقمية، كان بالإمكان أن تبني المؤسسات المعنية نموذجًا بسيطًا وفعالًا: فتح باب الحجز المسبق، تحديد الكميات بحسب الطلب الحقيقي، ثم التوريد والتوزيع وفق هذه البيانات. هذا وحده كان كفيلًا بأن يمنع مشاهد التزاحم، ويضمن عدالة الوصول، ويصون كرامة المواطن.
بدل ذلك، تُرك التوزيع لمنطق “من يصل أولًا”، وهو منطق يصلح لإدارة التخفيضات التجارية، لا لتوزيع سلعة مرتبطة بالأمن الغذائي. والنتيجة كانت واضحة: نفاد الكميات في بعض الفروع قبل الساعة العاشرة صباحًا، وعودة آلاف المواطنين بخيبة مضاعفة؛ خيبة الحاجة وخيبة الإحساس بالتهميش.
والأخطر أن هذا النمط من التنفيذ لا يحقق حتى الهدف الاقتصادي المرجو. فطرح كميات محدودة بسعر أقل من السوق دون أن تكون كافية لتغطية الطلب، يؤدي إلى تضخيم الطلب بدل تهدئته، ويغذي الإشاعات والمضاربة، ويزيد من اضطراب الأسعار بدل استقرارها. أي أن الخلل الإداري يتحول سريعًا إلى أثر اقتصادي سلبي.
إن المؤسسات التي تتولى إدارة مثل هذه الملفات مطالبة بأن تتعامل مع المواطن باعتباره شريكًا في الحل لا متلقيًا عشوائيًا. فالتدخل في السوق ليس مجرد شحنات وتوزيع، بل منظومة متكاملة من التخطيط والبيانات والعدالة والشفافية.
زيت الزيتون ليس مجرد منتج، بل ركيزة من ركائز الاقتصاد الزراعي، ومصدر دخل لآلاف الأسر، وعنصر من عناصر الأمن الغذائي الوطني. وإدارته بعقلية ارتجالية أو بأدوات تقليدية لا يضر بالمستهلك فقط، بل يضعف ثقة المجتمع بالمؤسسات المكلفة بخدمته

