شذرات عجلونية (67)


د. علي منعم القضاة

ألا حيّها عجلون من بُرْدَةِ الهوى                   أسامرها بدرًا؛ فترسمني شمســا

 

شذرات عجلونية (67)

القراء الأعزاء؛ أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أينما كُنتُم، وحيثما ، نتذاكر معًا في شذراتي العجلونية، حيث تحمل كل شذرة فكرة في شأنٍ ذي شأن، ننطلق من عجلون العنب والذَّهب، عجلون الحُبِّ والعتب؛ لنطوف العالم بشذراتنا، راجيًا أن تستمتعوا بها، وتجدوا فيها ما يثير الفكر والوجدان.بها.

وما بين هذه الشذرة وسابقتها، يستمر تتبع مسار النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية، الممتد منذ عقود، والذي بدأ يتبلور بشكل أوضح بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حيث دخلت البلاد مرحلة إعادة تشكيل سياسي وأمني معقدة، تداخلت فيها القوى الداخلية مع التأثيرات الإقليمية.

بلاد الحضارات… تحت وطأة الاتحولات الإقليمية

العراق، موطن الحضارات وبلد الرافدين، شهد منذ عام 2004 صعودًا متدرجًا لنفوذ إيران داخل المشهد السياسي والأمني، عبر قوى وأحزاب وشبكات مسلحة باتت فاعلة في بنية الدولة ومؤسساتها. ومع هذا التحول، أصبح المشهد العراقي أكثر تعقيدًا، حيث اختلطت التوازنات الداخلية بالتجاذبات الإقليمية، ما انعكس على استقرار الدولة وقدرتها على بناء نموذج مؤسسي متماسك.

وقد أفرز هذا الواقع تحديات كبيرة على المستويات الاقتصادية والخدمية والاجتماعية، تمثلت في تراجع الأداء المؤسسي، واتساع فجوات التنمية، وتفاقم الأزمات الإنسانية في بعض الفترات، إلى جانب استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي التي أثرت على مسار إعادة الإعمار والتنمية.

ورغم ذلك، فإن العراق، بتاريخِه العميق وطاقاته البشرية، لا يزال يمتلك قابلية النهوض واستعادة دوره الإقليمي، متى ما توافرت شروط الاستقرار الداخلي وتوازن القرار الوطني بعيدًا عن الاستقطابات الخارجية.

أرض الأرز المرهفة… صارت مرهقة

لبنان، ذلك الوطن الجميل وأرض الأرز، شهد منذ عام 2006 تصاعدًا واضحًا لنفوذ حزب الله بوصفه أحد أبرز أدوات التأثير المرتبطة بالدور الإقليمي لـإيران داخل الساحة اللبنانية. وقد انعكس هذا التداخل على بنية الدولة ومؤسساتها، وألقى بظلاله على الاستقرار السياسي العام، في ظل تعقّد المشهد الداخلي وتعدد مراكز القرار الفعلية.

ولم يقف هذا الامتداد عند حدود التأثير السياسي، بل ترافق مع سلسلة من التحولات الأمنية والسياسية والاغتيالات التي شهدها لبنان خلال مراحل مختلفة، والتي كان من أبرز محطاتها اغتيال رفيق الحريري عام 2005، وما تبعه من إعادة تشكيل عميقة في المشهد السياسي الداخلي. كما شكّل تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020 نقطة فارقة إضافية، كشفت حجم الأزمة البنيوية التي تعانيها مؤسسات الدولة وتراجع فعالية منظومة الرقابة والمساءلة.

وفي السياق ذاته، دخل الجنوب اللبناني منذ عام 2023 مرحلة من التصعيد العسكري المتبادل على الحدود مع إسرائيل، في ظل الدور الميداني لـحزب الله، الذي أسهم في زيادة هشاشة الوضع الأمني وإعادة ربط الجبهة اللبنانية بتطورات الصراع الإقليمي، بعيدًا عن القرار السيادي الكامل للدولة.

إن هذا التشابك في النفوذ والسلاح والسياسة أسهم في استنزاف الدولة اللبنانية، وحوّلها إلى ساحة مفتوحة لتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وأضعف قدرة مؤسساتها على فرض سيادتها الكاملة وبناء قرار وطني موحد، رغم استمرار تمسك قطاعات واسعة من الشعب اللبناني بخيار الدولة واستعادة التوازن الداخلي.

سفيه إيران في لبنان… يعكس وقاحة إيران

في ظل تصاعد التوترات السياسية بين بيروت وطهران، برزت قضية المبعوث الإيراني إلى لبنان محمد رضا شيباني بوصفها إحدى أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد الدبلوماسي الراهن. فقد أفادت معطيات متداولة بأنه، عقب إعلان الحكومة اللبنانية رسميًا اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه وطلب مغادرته البلاد، لم يُسجل امتثاله الفوري لهذا القرار، مع الإشارة إلى تحصنه داخل مقر السفارة الإيرانية في بيروت، ما فتح سجالًا واسعًا حول حدود الالتزام بالقرارات السيادية للدولة اللبنانية.

ويطرح هذا التطور إشكالية مباشرة تتعلق بمدى احترام الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول، خصوصًا ما يرتبط بمبدأ السيادة ووجوب التزام الممثلين الدبلوماسيين بقرارات الدولة المضيفة وفق الأطر القانونية المعتمدة. كما يعكس هذا الملف مستوى حساسًا من التعقيد في العلاقة بين لبنان وإيران، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع تشابك النفوذ الإقليمي داخل الساحة اللبنانية، بما يجعل إدارة مثل هذه الملفات أكثر تعقيدًا من الإطار الدبلوماسي التقليدي.

ويعيد هذا الواقع طرح أسئلة أوسع حول التوازن بين السيادة الوطنية اللبنانية ومتطلبات العلاقات السياسية القائمة، في ظل بيئة إقليمية معقدة تفرض تحديات مستمرة على النظام الدبلوماسي اللبناني، وتكشف حجم التداخل بين السياسة الخارجية والنفوذ الإقليمي في المنطقة.

عراقة الأموية… تدحر حثالة الصفوية

مع اندلاع الاحتجاجات في مدينة درعا عام 2011،دخلت سوريا مرحلة صراع مركّب تداخلت فيه العوامل الداخلية مع تدخلات إقليمية ودولية متعددة، من بينها تصاعد دور إيران عبر دعمها لعدد من التشكيلات المسلحة والحلفاء المحليين، في ظل تآكل تدريجي لسيطرة الدولة على أجزاء واسعة من الجغرافيا السورية خلال سنوات الحرب.

شهدت البلاد خلال سنوات النزاع تصعيدًا عسكريًا واسع النطاق شمل مختلف المناطق، وترافقت بعض مراحله مع اتهامات دولية باستخدام أسلحة محظورة، من أبرزها حادثة الهجوم الكيميائي في الغوطة عام 2013، والتي شكلت نقطة تحول في مسار الموقف الدولي من الأزمة السورية، وكشفت حجم الانكشاف الإنساني والأمني في المشهد الداخلي.

تعقد المشهد السيادي داخل سوريا نتيجة تعدد القوى العسكرية الفاعلة على الأرض، بما في ذلك الوجود الروسي في مناطق استراتيجية مثل قاعدة حميميم، ما عكس درجة عالية من التشابك بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية في إدارة المجال الميداني خلال سنوات الصراع.

امتد هذا التشابك إلى البعد الاقتصادي والأمني، مع تنامي تقارير دولية عن شبكات مرتبطة بإنتاج وتهريب مواد مخدرة من نوع الكبتاغون داخل الأراضي السورية أو عبرها، الأمر الذي أضاف بُعدًا إضافيًا للأزمة، وعمّق التحديات التي تواجه الدولة السورية ودول الجوار في ظل اقتصاد حرب ممتد.

دخل المشهد السوري في السنوات الأخيرة مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني تدريجي، ترافقت مع تحركات محدودة في ملفات النزوح والعودة، ضمن واقع لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة ترتبط بتوازنات القوى الداخلية والخارجية ومسار التسوية السياسية.

الأرض السعيدة… صارت شريدة

اليمن، الذي عُرف تاريخيًا بـ“الأرض السعيدة”، دخل منذ عام 2014 مرحلة صراع داخلي معقّد تداخلت فيه العوامل المحلية مع امتدادات إقليمية، من أبرزها تصاعد دور الحوثيون في المشهد السياسي والعسكري، وما ترتب على ذلك من انهيار واسع في مؤسسات الدولة وتفكك منظومة الحكم المركزية.

توسعت رقعة المواجهات المسلحة لاحقًا وتعددت جبهاتها، ما قاد إلى واحدة من أشد الأزمات الإنسانية عالميًا وفق تقارير أممية متكررة، مع تضرر واسع للبنية التحتية في القطاعات الصحية والتعليمية والخدمية، وتفاقم الأوضاع المعيشية للمدنيين بين نزوح وفقر وانعدام للأمن الغذائي، إضافة إلى نزوح أكثر من خمسة ملايين شخص من مدنهم وقراهم نتيجة اتساع رقعة العمليات العسكرية وتدهور الأوضاع الأمنية.

ارتبط مسار الصراع بتشابكات إقليمية أوسع، شملت اتهامات وتقارير دولية حول دعم خارجي لبعض أطراف النزاع، وهو ما ساهم في إطالة أمد الحرب وتعميق الانقسام الداخلي، وتحويل اليمن إلى ساحة استنزاف سياسي وإنساني مفتوح.

 

 

 

الحرمين الشريفين.. في مرمى الأطماع الإيرانية

تُثار في بعض الخطابات السياسية والإعلامية في المنطقة قراءات متباينة حول طبيعة الدور الإقليمي لـإيران وحدود امتداد نفوذها، ويذهب بعضها إلى ربط هذا الدور بتأثيرات رمزية أو دينية تمسّ أكثر الملفات حساسية في العالم الإسلامي، وفي مقدمتها الحرمين الشريفين في المملكة العربية السعودية، بما يشمله ذلك من البعد الديني والسيادي المرتبط بـمكة والمدينة المنورة.

على هذا الأساس، كثيرًا ما تُستحضر الوقائع التاريخية لتفسير حساسية هذا الملف، ومن أبرزها حادثة القرامطة في القرن الرابع الهجري، حين تعرضت هجوم القرامطة على مكة عام 930 ميلادية، والتي شكّلت واحدة من أكثر الحوادث صدمة في التاريخ الإسلامي، نظرًا لما رافقها من انتهاك لحرمة الحرم وسلب الحجر الأسود ونقله خارج مكة لسنوات قبل إعادته لاحقًا.

إن استدعاء هذه الوقائع التاريخية في النقاشات المعاصرة يعكس حجم الحساسية المرتبطة بالمقدسات الإسلامية، ويؤكد أن أي توظيف سياسي أو إعلامي لهذا الملف يظل شديد التأثير، ويتطلب قدرًا عاليًا من الدقة في الطرح، لتجنب الانزلاق نحو التعميم أو تأجيج الاستقطابات المذهبية والسياسية في المنطقة.

 

الدكتور علي منعم القضاة

أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي

E-mail:dralialqudah2@gmail.com

Mob: +962 77 77 29 878

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.