صناعة الجندي المنوي: هندسة الإنجاب بعد الموت في المشروع الصهيوني

مهدي مبارك عبدالله
لم يعد الموت في إسرائيل نهاية الجندي بل اصبح مرحلة مؤجلة في مشروع الحرب المفتوحة ومنذ السابع من أكتوبر عام 2023 انكشف وجه أكثر قسوة للدولة العبرية التي لم تكتفي بإرسال شبابها إلى ساحات القتل بل تلاحق أجسادهم بعد موتهم لتنتزع منها ما يمكن تحويله إلى مادة سياسية وبيولوجية تخدم سردية البقاء بالقوة وكثير من العائلات باتت مذهولة وهي تدخل الى المستشفيات لا لتوديع ابنائها القتلى بل لتوقيع أوراق استخراج السائل المنوي من جثثهم وكأن الجندي لم يمت بعد بل جرى تعطيله مؤقتا بانتظار إعادة توظيفه في معركة أخرى اسمها الاستمرارية ولو على الوهم
ما جرى بعد هجوم حماس على غلاف غزة لم يكن رد فعل عاطفيا بل انزلاقا منظما نحو تطبيع فكرة أن الجندي هو ملك للدولة حيا وميتا وأن جسده ليس حقا شخصيا بل مخزونا استراتيجيا وفي لحظة الصدمة الجماعية جرى تعليق الأسئلة الأخلاقية والقانونية وفتح الباب أمام إجراء كان يعد استثناء نادرا ليصبح خيارا معروضا على كل عائلة فقدت ابنها في الميدان والدولة هنا اصبحت لا تواسي بل توجه ولا تترك مجالا للحزن بل تفرض مسارا جديدا عنوانه لا وقت للبكاء فهناك مستقبل يجب تصنيعه من بقايا الموت
السباق مع الزمن في هذه العملية يكشف قسوتها الكاملة إذ يقال للعائلة إن أمامها ساعات محدودة قبل أن يفوت الأوان أربع وعشرون ساعة أو اثنتان وسبعون بالكثير وكأن الفقد يمكن ضغطه داخل نافذة طبية ضيقة القرار ولا يؤخذ بهدوء ولا بوعي كامل بل تحت وقع الصدمة والرغبة في الإمساك بأي خيط يوهم بالاستمرار وهنا يتحول الحداد إلى إجراء إداري ويصبح الجسد الميت مادة خام في منظومة طبية مسيسة بالكامل
قبول هذا المسار لم يأت من فراغ سيما وان المجتمع الإسرائيلي تربى على أن الجيش هو جوهر الهوية وأن الرجولة لا تكتمل إلا عبر البندقية وأن قيمة الإنسان تقاس بمدى خدمته للمشروع العسكري وحين يقتل الجندي لا يسمح لموته أن يكون خسارة عبثية بل يعاد تدويره رمزيا وبيولوجيا ليقال إن الدم لم يذهب هدرا وإن القتل يمكن تعويضه بولادة مؤجلة وإن صناعة الجندي المنوي ليست مجرد إجراء طبي أو استجابة عاطفية لفقدان بل هي تعبير عن رؤية تعتبر الإنجاب جزءا من الأمن القومي وتتعامل مع الخصوبة بوصفها موردا استراتيجيا يعوض الخسارة ويعيد إنتاج القوة في سياق تتحول فيه البيولوجيا إلى أداة من أدوات التخطيط الديموغرافي ويصبح الرحم مساحة موازية لساحة القتال
في هذا الإطار تصبح الخصوبة سلاحا ديموغرافيا وتتحول الأرحام إلى امتداد لساحة المعركة والدولة التي تخشى التفوق السكاني للآخرين تجد في إنجاب أطفال من قتلاها رسالة تحد وصورة نصر أخلاقي مزعوم وكأن إنجاب طفل بلا أب هو انتصار لا علامة انكسار وهكذا يغيب السؤال عن حق الطفل في حياة طبيعية حيث يحل محله هوس الاستمرارية بأي طريقة وثمن
رغم أن أولى حالات الإنجاب بعد الوفاة في إسرائيل تعود إلى مطلع الألفية فإنها بقيت لسنوات طويلة استثناءات قضائية محدودة تخضع لنقاش قانوني وأخلاقي معقّد لكن التحوّل الحقيقي بدأ بعد الحروب المتكررة على غزة وتحديدًا منذ حرب 2014 حين ارتبط موضوع الخصوبة للمرة الأولى بشكل مباشر بالمؤسسة العسكرية بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 انتقلت الظاهرة من الهامش إلى قلب القرار الرسمي وألغيت الحاجة إلى أوامر قضائية مسبقة واُنشئت وحدات تنسيق تعمل على مدار الساعة داخل المستشفيات وأُبلغت العائلات أثناء تلقيها خبر مقتل أبنائها بأن أمامها نافذة زمنية قصيرة لاستخراج السائل المنوي وبهذا المعنى لم تعد المسألة خيارًا عائليًا فرديًا بل سياسة طوارئ مرتبطة بالحرب
الأثر الاجتماعي لهذه الممارسة خطير وعميق إذ يعاد تشكيل مفهوم الأسرة من جذوره طفل يولد محملا بقصة جاهزة وبهوية مفروضة وبدور لم تختره عائلة تبحث عن امرأة لتكون حاضنة لمشروع ذاكرة لا علاقة لها به او علاقة إنسانية طبيعية الأم وهنا ليست شريكة حياة بل أداة تنفيذ والطفل ليس فردا مستقلا بل شاهد قبر حي
أما العائلات التي تندفع نحو هذا الخيار فغالبا ما تكتشف لاحقا أن الألم لا يشفى وأن الفراغ لا يملأ والطفل الوليد لا يعوض الابن الفقيد بل يذكر به يوميا وقد يتحول من حالهم من عزاء متخيل إلى جرح دائم ويصبح محورا لصراعات قانونية ونفسية لا تنتهي في غياب إطار أخلاقي واضح يحدد لمن تكون الكلمة الأخيرة
عالميا تبدو هذه الممارسة شاذة وصارخا وفي دول كثيرة يعتبر الإنجاب بعد الوفاة تعديا على كرامة الإنسان وعلى مصلحة الطفل نفسه ولا يسمح به إلا بشروط صارمة وموافقة مسبقة أما في إسرائيل فتتراجع هذه المعايير لصالح منطق تعبوي يرى في الجندي مادة جماعية يمكن التصرف بها حتى بعد موته
ما يكشفه هذا المشهد هو التحول الى مستوى غير مسبوق من عسكرة الحياة الخاصة حيث يتزاوج الطب مع السياسة وتخضع أكثر القرارات حميمية لحسابات الأمن والهوية القومية ولا يعود الجسد ملكا لصاحبه ولا الإنجاب فعلا شخصيا بل جزءا من إدارة الصراع المستمر
هكذا يتجاوز الموت معناه الفردي ليغدو حلقة في سلسلة إنتاج مستمرة تذيب الفاصل بين الحياة والسياسة وبين الخاص والعام حيث يعاد تعريف الأبوة والنسل في إطار مشروع يسعى إلى تثبيت التفوق وضمان البقاء إن السؤال لم يعد فقط عن حق الإنجاب بعد الوفاة بل عن المعنى السياسي الكامن خلف هذا الحق وعن حدود تحويل الإنسان إلى وظيفة دائمة في معادلة الصراع وفي هذا التقاطع بين المختبر والعقيدة تتكشف صورة مشروع يرى في المستقبل امتدادا عضويا للحرب ويراهن على أن الجندي يمكن أن يولد حتى بعد موته
ختاما : نوجه رسالة إلى المجتمع الإسرائيلي بإن البحث عن الحياة في رحم الموت لن يوقف دورة الدم ولا تجميد النطف سيحمي أبناءكم القادمين من مصير آبائهم وإن تحويل الخصوبة إلى أداة تعويض عن الحروب والإنجاب إلى استمرار لمعركة مفتوحة ولن يصنع أمنًا ولن يبني مستقبلًا والمستقبل لا يُصنع من غرف التجميد بل من قرارات شجاعة توقف الاحتلال وتكسر منطق العسكر وتعيد للإنسان قيمته خارج الزي العسكري وإلا فإن الأجيال القادمة مهما وُلدت بعد الموت وستجد نفسها في الصف نفسه تنتظر دورها في حرب لا تنته ما دامت الحروب خيارا دائما والاحتلال سياسة راسخة
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

