طبول الكراسي وأنين البسطاء


أ.د.جهاد علي المومني

 

بقلم أ.د.جهاد علي المومني– جامعة عمان العربية

 

لطالما استوقفتنا مفارقة أخلاقية مؤلمة تتكرر كل يوم أمام أعيننا؛ مفارقة تكشف كيف تتبدل المواقف بتَبدّلِ المواقع، وكيف يصبح الكرسيُّ أحياناً جوازَ مرورٍ للقلوبِ قبل العقولِ؛ تلك المفارقة ما بين صاحبِ المنصبِ الذي ما أن يعتلي منصبَهُ حتى تلتف حولهجموع المطبلين (المتزلفين)، لتتسابق أقلامهم وألسنتهم في نسج عبارات الثناء والإطراء لهعبر وسائل التواصلوالقنوات الإعلامية، ويصبح كلُّ إنجازٍ يصدرُ عنه حدثاً إستثنائياً يستحقُّ الإحتفاء، وتنهالُ عليه التهاني في مناسباته كلها، ويتزين مكتبه كل يوم بالورود والهدايا، ولا تغيب عنه وفود المجاملات في الأفراح والاتراح.فهم يسّخرون أصواتهم وحياتهم ووقتهم وأقلامهم لإرضاءِ صاحبِ المنصبِطمعاً في الحصولِ على عرضٍ دنيويٍ أو مكاسبَ ضيقةٍ على حسابِ المصلحةِ العامةِ، وبالمقابل يترك البسطاءُ أو الموظفون غيرُ المنافقين يواجهون قسوة الحياة ومطالبها بمفردهم، ولا يبادلونهم المشاعر بأفراحهم أو أحزانهم لأنها لا تجدي لهم نفعاً، ومهما قدّم هؤلاء البسطاء المخلصونمن إنجازات عظيمة، ستبقى في نظرهم إنجازات بسيطة لا تستحق الاهتمام، لأنهم لايملكون سلطةً تقرع لها الطبول، ولا مَنصباً يَجذبُ المتملقين.

 إنها مفارقة صعبة مؤلمة يعلو فيها ضجيج المنافقين ليحجب أنين الحقيقة، ويتراجع فيها الأكفاء وأصحابُ الضمائرِ الحيةِ الذين لا يمتلكون لغةَ التملقِ والتسلقِ لصالحِ منافقينَ يجيدون قرع الطبول وفنونَ التملقِ والتسلقِ. وفي هذه البيئة التي يسودها هذا النفاق تختل منظومة القيم وموازين الإنصاف وتهدر حقوق الضعفاء لصالح المتسلقين،ويتحول الولاء المبني على المبدأ إلى ولاء لأصحاب المناصب بحثاً عن المصالح والمنافع. ولكن هذا الولاء القائم على التملق والتسلق كزَبد الماء سرعان ما يزولبزوال الكرسي. وسيظل أثر الشرفاء البسطاءوإنجازاتهموولائهم وإخلاصهم في عملهم كالينبوع الصافي باقياً وراسخاً على مرّ الزمان، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم بقول الله تعالى ” فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ” الرعد (17).

 

لقد رأينا في حياتنا مَن كانت الأضواء تلاحقهم ماداموا في مواقع السلطة؛ فلما غادروها انفض عنهم الجمع، وانكشفت حقيقة العلاقات التي أحاطت بهم، ولم يبقَ منها إلا ما يأتيهم من المقربين.تلك العلاقات كانت قائمة على المصلحة ولم تكن صادقة، فلم يكسب هؤلاء إلا ما قدموا من أثر طيب وتعامل حسن، وعدالة بين من كانوا يعملون معهم. والذين سيبقون يدعون لهم لا عليهم، كلما ذكرت أسماءهم. فهنيئاً للمخلصين في عملهم من أصحاب المناصب؛ الذين لم تؤثر فيهم ولمتسّير قراراتهم أبواق المنافقين، وتركوا أثراً طيباً بعد زوال منصبهم .

إن المحبة الصادقة النقية بين الناس هي المحبة التي لا ترتبط بمناصب دنيوية زائلة ولا تعرف طريقأ إلى النفاق، يجمعها صدق القلوب على طاعة الله ويحفظها الوفاء حتى الممات، ويوم القيامة هؤلاء يناديهم الله تعالى بقوله كما ورد في الحديث القدسي: ” أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلّهم في ظِلّي يوم لا ظِلّ إلا ظِلّي” رواه مسلم. وهم ممن شملهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه من السبعة الذين يظلّهم الله في ظِلِّه يوم لاظلّ إلا ظِلّه؛لأنهم تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه .

فطوبى للبسطاء وأصحاب المناصب الذين صفت سريريتهم، وخلُصت لله نيتهم، واستقامت طريقتهم، فكان عطاؤهم في عملهم وحُبّهم وتعامُلِهممع منيعملوا معهم عادلاً وخالصاً لله تعالى بعيداً عن شوائب النفاق ورياء المصالح. امّا أنتم أيها المطبلون كفاكم نفاقاً وكذباً!فما تسعون إليه ما هو إلا عرضُ دنيوي زائل، وقد تاخذونه بنفاقكم بغير وجه حق على حساب غيركم من الأنقياء المخلصين.فكل ما على الأرض سيزول، فاتركوا أثراً طيباً خلفكم بعد مماتكم نذكرككم فيه، وستجدون جميعاً ماعملتم من عمل ينتظركم أمامكم في قبوركم وآخرتكم. فأصلحوا ما بينكم وبين الله قبل أن يُرفعَ القلمُ وتَجِفَّ الصُّحُف، وازرعوا في غدكم ما يغنيكم ويسعدكم حين يفتح الكتاب وينادي المنادي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.