عندما يتحول قانون الضمان إلى شرارة على مائدة الإفطار

الدكتور موفق العجلوني
بقلم/السفير الدكتور موفق العجلوني
في السياسة كما في الفيزياء، لكل فعلٍ ردّ فعل. لكن في أردننا الحبيب يبدو أن لكل مشاجرة نيابية سبباً خفياً يكاد لا يتغير: الضمان الاجتماعي. نعم، لا تستغربوا… فحتى “الطوشة” التي اندلعت على مائدة إفطار رمضاني بين نائب حالي وآخر سابق، لم تكن في حقيقتها سوى أحد الآثار الجانبية لما يمكن أن نسميه مجازاً “الكيمياء الضمانية”في الأجواء السياسية.
القصة بدأت – كما نقلت الأخبار – بنقاش حول مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي. نقاش يفترض أن يكون عادياً على مائدة إفطار، يمر بهدوء مثل أي حوار ديمقراطي بين التمر والماء والشوربة. لكن يبدو أن هذا المشروع يحمل في طياته طاقة سياسية كافية لتحويل وجبة إفطار هادئة إلى جلسة نقاش ساخنة بنكهة رمضانية خفيفة.
وهنا لا بد من الإنصاف. فالنواب – في النهاية – ممثلو الأمة، وأبناء قواعدهم الشعبية، جاؤوا إلى البرلمان ليعكسوا نبض الشارع. وإذا كان الشارع يناقش الضمان الاجتماعي بحرارة، فمن الطبيعي أن تنتقل هذه الحرارة أحياناً إلى طاولة الإفطار أيضاً.
ومن باب القراءة الرمزية الساخرة للأحداث، يمكن القول إن الضمان الاجتماعي أصبح يشبه الزر الأحمر في النقاشات السياسية.فإذا اختلف نائب مع نائب… فالتحليل الجاهز: الضمان.
وإذا ارتفعت الأصوات في جلسة عامة… فالسبب: الضمان.وإذا تحولت جلسة ودية إلى “مناوشة رمضانية خفيفة”… فغالباً ما يكون الضمان جالساً في الخلفية يبتسم!
ولهذا، ومن باب الدعابة السياسية التي لا تخلو من الحكمة، ربما آن الأوان لاقتراح حل جذري… أو على الأقل حل طريف.
لماذا لا يتولى النواب أنفسهم إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي؟الفكرة قد تبدو ساخرة للوهلة الأولى، لكنها تحمل منطقاً سياسياً خاصاً بها:فالنواب هم ممثلو الأمة، والأقرب إلى نبض الشارع، والأكثر اطلاعاً على هموم المواطنين. وإذا أصبحوا هم من يديرون الضمان ويشرّعون له في الوقت نفسه، فستختفي المسافة بين صانع القرار ومنفذ القرار.
والأهم من ذلك – في هذه الرؤية – أن النقاشات الحادة قد تختفي أيضاً… لأن النواب عندها سيتجادلون مع أنفسهم فقط!ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن مجلس النواب فتح بالفعل قناة للمواطنين لإبداء آرائهم حول قانون الضمان، وهي خطوة إيجابية تعكس روح المشاركة العامة. وربما تكون الخطوة التالية – في هذا الخيال السياسي المرح – أن يتحول الضمان إلى مؤسسة “برلمانية خالصة”، فتسكن النفوس، وتهدأ النقاشات، وتعود موائد الإفطار لوظيفتها الطبيعية: تمر، وقهوة، وحديث ودي خفيف.
وبصفتي أدّعي – مازحاً – أنني ” سفير الضمان شرفياً “، فقد أكون شاهداً قديماً على هذه الحكاية. فقد كنت، على سبيل الفخر، من مؤسسي الضمان الاجتماعي عام 1982، حين كان أستاذي ومعلمي معالي الدكتور جواد العناني رئيساً لمجلس إدارة الضمان ووزيراً للعمل آنذاك. ولذلك أظن، بابتسامة تقدير، أنه لو سمع هذا الطرح الرمزي اليوم لربما ابتسم بدوره وقال:
“فكرة تستحق النقاش… ولو على سبيل الدعابة السياسية”.ئ
لكن القصة لم تنتهِ عند لحظة الجدل الرمضاني. فالسياسة الأردنية – لحسن الحظ – تملك خاصية جميلة: سرعة التهدئة.فقد أعلن النائبان المحترمان عن المصالحةمؤكدين أن الخلاف كان من أجل الوطن وأن الأخوة باقية لما فيه مصلحة الأردن والأردنيين.
وهكذا انتهت “الطوشة الرمضانية” كما بدأت: نقاش حاد، ثم مصافحة، ثم تصريح وطني مطمئن. وكأن الرسالة غير المكتوبة تقول ببساطة:
نختلف من أجل الوطن… ونتصالح أيضاً من أجله.
وفي النهاية، ربما يثبت الضمان الاجتماعي مرة أخرى أنه ليس مجرد قانون اقتصادي أو مؤسسة مالية، بل موضوع قادر – مجازاً – على تحريك النقاش الوطني… بل وحتى رفع حرارة الجلسات الرمضانية.
لكن الجميل في القصة أن السياسة الأردنية ما زالت قادرة على إنهاء الخلافات بسرعة… قبلأن يبرد الشاي، أو تصل القهوة العربية إلى الجولة الثانية.
المدير العام
مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

