فراس العجلوني وفراس العنانزة… حين تتكلم عجلون بلغة الرجال


امجد فاضل فريحات

 

ما بين فراس العجلوني وفراس العنانزة حكاية لا تختصرها السنوات ولا تفصل بين فصولها المسافات فكلاهما فراس وكلاهما من عجلون وكأن هذه الأرض أرادت أن تقول إن في ترابها سرّاً لا ينضب وإن الرجال الذين تنجبهم لا تتشابه أسماؤهم فقط بل تتشابه فيهم معاني النخوة والإقدام والتضحية.

فراس العجلوني، ابن عنجرة الذي حلّق بطائرته في سماء فلسطين وحمل روحه على جناحيه دفاعاً عن وطنه وقضية أمته، فخلّد اسمه في سجل البطولة والشرف.

وفراس العنانزة ابن عشيرة العنانزة التي عرفت بالشهامة والطيب والكرم وإبن كفرنجة الممتدة في عمق التاريخ والتي كانت تأوي ثوار فلسطين وتمدهم بالسلاح بزعامة عزالدين القسام أيام راشد باشا الخزاعي الفريحات من وجه المحتل البريطاني المغلف بالصهيونية.

هذا فراس العنانزة الذي لم يتردد حين رأى زميله في مواجهة الخطر فانطلق إليه مدفوعاً بضميره وشجاعته، ولم يحسب حساباً لسلامته بل تقدّم ليحمي زميله ويحول دون امتداد الخطر إلى الأبرياء في موقف سيبقى شاهداً على شجاعة رجال الأمن الأردنيين.

بين فراس وفراس أكثر من تشابه الأسماء؛ يجمعهما تراب عجلون، وماؤها وهواؤها وسماؤها وتلك الجينات المعنوية المتوارثة التي صنعتها بيئة الجبل والكرامة والنخوة وتناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

إنهما ابنا عجلون عجلون مغيثة الملهوف وملاذ الطنيب وحامية المنيع والدخيل عجلون التي لا ترد مستجيراً ولا تتخلى عن صاحب حاجة ولا تقبل أن ترى مظلوماً أو مستغيثاً دون أن تهب لنجدته.

هذه هي عجلون التي لا تعرف الرجولة عندها حدوداً للكلام بل تقيس الرجال بمواقفهم ساعة الشدة.

عجلون ليست مجرد جبال خضراء ووديان وينابيع ماء، وليست قلعة تاريخية تتربع على قمة جبل فحسب؛ إنها ذاكرة من المجد والتاريخ. فمن قلعتها التي بناها الأيوبيون بأمر صلاح الدين لتكون حصناً متقدماً في مواجهة الفرنجة، وحلقة استراتيجية في حماية طرق الجيوش والإمداد ومراقبة تحركاتهم في فلسطين ارتبط اسم عجلون بمرحلة مهمة من مراحل الصراع الذي انتهى بتحرير القدس بعد معركة حطين عام 1187م ثم استمر حتى زوال الوجود الصليبي عن آخر معاقله في بلاد الشام عام 1291م بعد نحو قرنين من الحروب والصراع.

تلك القلعة التي شهدت عبور الجيوش وحفظت الغلال والسلاح ووقفت شاهدة على تاريخ الدفاع عن الأرض والكرامة لا تزال حتى اليوم رمزاً لعجلون التي عرفت كيف تكون حصناً للوطن وملاذاً للناس.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن عجلون التي أنجبت رجالاً ارتبط اسمهم بتاريخ الدفاع عن الأرض ما زالت تنجب رجالاً يترجمون معنى الانتماء إلى مواقف حية.

لكننا هنا لا نريد أن نقول إن الشجاعة حكر على عجلون أو إن حب الأردن محصور في محافظة دون أخرى فالأردن كله عجلون حين يناديه الواجب وكل محافظاته ولّادة للرجال والمواقف. من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه هناك أردنيون يحملون الوطن في قلوبهم ويعرفون أن الأردن ليس مجرد أرض نعيش عليها بل كرامة وهوية وبيت لا نقبل أن يمسه سوء.

المواطن الأردني يحب وطنه وليس مستعداً للمساومة على أمنه وكرامته قد يختلف الأردنيون في آرائهم واجتهاداتهم لكنهم يلتقون عند الأردن وعندما ينادي الواجب تجد فيهم من يقدم روحه ومن يخاطر بحياته، ومن يترك كل شيء ليدافع عن إنسان لا يعرفه فقط لأنه أردني ولأنه ابن هذا الوطن.

وهنا تحضر ذكرى الشهيد جواد السلايطة الذي ارتقى وهو يؤدي واجبه لتكتمل صورة التضحية التي تستحق منا الوفاء لا بالكلمات وحدها بل بحفظ قيمة ما قدمه هؤلاء الرجال والوقوف إلى جانب زملائهم وأسرهم وتقدير كل من يحمل أمانة حماية الوطن.

يا عجلون يا مغيثة الملهوف ويا قلعة التاريخ ويا ذاكرة المجد لم يكن غريباً أن يجمع اسم فراس بين سمائك وأرضك فالأول حلّق في فضاء فلسطين والثاني تقدّم على أرض الأردن وبينهما وطن واحد اسمه الأردن وقلب واحد ينبض بحبه.

فراس العجلوني وفراس العنانزة… اسمان من عجلون وموقفان في سجل الأردن وبينهما تراب وسماء وماء وإرث من الكرامة والنخوة.

الأوطان لا يحميها الكلام وحده بل تحميها قلوب أبنائها حين تصدق وأيديهم حين تعمل ومواقفهم حين تحين ساعة الواجب.

من سماء عجلون إلى أرض الأردن… فراسٌ حلّق دفاعاً عن فلسطين، وفراسٌ تقدّم دفاعاً عن الأردنيين وبينهما عجلون الأرض التي تورّث أبناءها النخوة والأردن الذي لا يبخل أبناؤه عليه بالروح.

سلام على فراس العجلوني الذي مضى شهيداً فبقي حياً في ذاكرة الوطن وسلام على فراس العنانزة الذي واجه الخطر فرفع رأس عجلون والأردن ورحمة الله على جواد السلايطة وكل شهداء الوطن.

وفي آخر الكلام ومع كل ماذكر، هناك عتب شديد على الدولة الأردنية التي لم تلتفت لا لعجلون ولا لأبناء عجلون، عجلون هذه المحافظة الأكثر فقرًا وبطالًة وقلًة في مناصب الدولة التي يتمتع ويتنعم بها الآخرون لابل ويتوارثونهادون الالتفات لغيرهم…آن الأوان أن نلتفت لغيرنا ونستفيد من تجاربنا ونتعلم مما حصل ومن كان قلبه على الأردن ليس كمن كان قلبه على الحجر.

عاش الأردن وعاشت عجلون وعاش كل أردني شريف يرى في حماية وطنه وكرامة أهله واجباً لا ينتظر عليه جزاءً ولا شكوراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.