فلسطين تلاحق إسرائيل في كأس العالم .. أخرجوها من الفيفا


مهدي مبارك عبدالله

لم يعد المشهد الرياضي العالمي بكامل تفاصيله معزولا عن تداعيات الحرب على غزة ولم تعد كرة القدم تلك المساحة البعيدة عن السياسة كما كان يروج لها بعدما تحولت الملاعب إلى ساحة جديدة لصراع الروايات والمعايير في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع وما يرافقه من حصار خانق وسياسات تجويع وموت ممنهج يطال المدنيين بشكل يومي وعلى مدار الساعة

مع انطلاق فعاليات كأس العالم الاخيرة برزت مجددا حملات جماهيرية واسعة تطالب الاتحاد الدولي لكرة القدم بعزل إسرائيل ووقف مشاركتها في البطولات الدولية حيث ارتفعت شعارات واصوات تدعو إلى إخراج إسرائيل من الفيفا في أكثر من مدينة كانت مضيفة للبطولة في تعبير واضح عن اتساع رقعة الغضب الشعبي تجاه استمرار الحرب المدمرة زلابادة الجماعية على في غزة منذ عامين وثمانية اشهر

داخل محيط الملاعب وفي الشوارع الرئيسية التي تشهد توافد الجماهير ظهرت لافتات كبيرة تؤكد وتوثق بأن ما جري ويجري في فلسطين لا يمكن فصله عن أي حدث عالمي بما في ذلك أكبر بطولة كروية في العالم لغم 2026 حيث يرى المحتجون أن استمرار مشاركة إسرائيل في المنظومة الرياضية الدولية يتناقض مع المبادئ التي يفترض أن تقوم عليها هذه المنظومة من حيث العدالة والانسانية

الحملات الجماهيرية المتواصلة منذ مهرجان الافتتاح تستند إلى اتهامات متكررة للفيفا بممارسة ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية حيث يشير بعض الناشطون إلى سرعة اتخاذ قرارات بحق دول أخرى في أزمات سابقة مقابل تردد واضح في التعامل مع ملف إسرائيل رغم ما يصفونه بانتهاكات مستمرة مرتبطة بالاحتلال والاستيطان والحرب على غزة ولبنان واقتحامات مدن وقرى وبلدات الضفة الغربية

الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم من جانبه قدم ملفا متكاملا يتهم فيه إسرائيل بخرق لوائح الفيفا عبر السماح لأندية بالعمل في المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة وهو ما يعتبره الفلسطينيون والعديد من الدول مخالفة صريحة للقوانين المنظمة للعبة ويطالبون على أساسه بتعليق العضوية الإسرائيلية ووقف مشاركتها فورا

دائرة الاحتجاج الجماهيري اصبحت تتوسع لتشمل البعد الإنساني للحرب على غزة حيث يؤكد المحتجون أن استمرار العمليات العسكرية والحصار أدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية الرياضية وسقوط ضحايا من الرياضيين والمدربين والحكام مما يجعل الحديث عن عدالة رياضية أمرا متناقضا مع الواقع على الأرض

على الجانب الاخر يواصل الاتحاد الدولي لكرة القدم تبني موقف حذر وضبابي وغير مجدي يقوم على إحالة ملفات الشكاوي والاعتراضات إلى لجان قانونية ودراسات مطولة دون اتخاذ قرارات حاسمة بشأن تعليق عضوية اسرائيل وهو ما يراه كثير من المنتقدين اسلوب فاضح من أشكال التأجيل الذي يفرغ القوانين من مضمونها ويعمق الشعور بعدم العدالة والانصاف
التطورات والمستجدات بكل تداعياتها باتت تتزامن مع تصاعد الخطاب الحقوقي الدولي الذي يدعو إلى إعادة النظر في آليات مشاركة بعض الدول في البطولات الرياضية الكبرى وربطها بشكل أوضح بالتزاماتها القانونية والإنسانية بما يضمن عدم تحول الرياضة إلى مساحة منفصلة عن القيم والاخلاق والمعايير التي تدعي الدفاع عنها

مع استمرار الحرب على غزة وتزايد معاناة المواطنين واتساع رقعة التضامن الشعبي مع الفلسطينيين تبدو الساحة الرياضية مرشحة لمزيد من التصعيد الرمزي والسياسي حيث تتحول شعارات والنداءات مثل أخرجوا إسرائيل من الفيفا إلى عنوان لحركة احتجاج عالمية سوف تتجاوز حدود الملاعب لتصل إلى الفضاء العام الدولي

وفق هذا التصور المعقد يجد الفيفا نفسه أمام اختبار صعب يتعلق بمصداقيته وقدرتها على تطبيق قواعده الاساسية ومرتكزات عملة الاخلاقية بشكل متساو على جميع الأعضاء في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية والإعلامية لإعادة النظر في وجود إسرائيل داخل هذه المنظومة الرياضية العالمية في ظل استمرار الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية المتصاعدة بشكل مقبول

ضمن هذا المشهد المتصاعد تتسع بشكل مستمر دائرة الحراك الشعبي حول العالم لتأخذ طابعا أكثر تنظيما ووضوحا حيث لم تعد الدعوات والمطالبات مقتصرة على رفع شعارات احتجاجية رمزية عابرة بل أصبحت جزءا من خطاب حقوقي متنامي ومنظم يربط بين الرياضة والقانون الدولي وحقوق الإنسان ويضع المؤسسات الرياضية أمام مسؤولية أخلاقية متزايدة تجاه ما يجري في غزة من حصار وتجويع وابادة ودمار مستمر
كما أن الساحة الإعلامية بمختلف شبكاتها والرياضية بكامل مسمياتها لم تعد بمعزل عن التحولات المشتعلة في المزاج العالمي تجاه القضية الفلسطينية حيث باتت صور الحرب على غزة ومعاناة الاطفال والشيوخ والنساء حاضرة بقوة في الخطاب العام في العديد من الدول الغربية الأمر الذي أسهم في توسيع رقعة التضامن الشعبي مع الفلسطينيين ورفع سقف المطالبات بضرورة مساءلة إسرائيل داخل المؤسسات القانونية الدولية المختلفة بما فيها الاتحاد الدولي لكرة القدم

ختاما : نؤكد بان المشهد المعادي لإسرائيل يتجه نحو مزيد من التصعيد الحاد في الجانبين الرمزي والسياسي والانساني مع استمرار الحرب على غزة حيث يتفاقم الغضب العالمي والرفض الشعبي من كل شرفاء واحرارالعالم ضد استمرار وجود إسرائيل ككيان محتل في أي محفل دولي في ظل ما يعتبره كثيرون بانه صورة مشينة ترتبط عضويا بانتهاكاتها الجسيمة والقاسية بحق الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الأمر الذي يعمق حالة العزلة السياسية والأخلاقية حولها ويفتح الباب أمام ضغوط متزايدة قد تعيد تشكيل موقعها داخل المنظومة الرياضية الدولية في المرحلة المقبلة

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.