*قَتَلَةُ الأَشجار* «اِعلَموا أنَّ اللهَ يُمهِلُ ولا يُهمِل»

منذر محمد الزغول
مرّةً أُخرى وأُخرى أجدُ نفسي مُضطرًّا للكتابةِ عن أهمِّ ثروةٍ تتمتّعُ فيها محافظتُنا الجميلة، لا تقلُّ أهميّةً عن الثرواتِ الكبيرةِ التي تتمتّعُ فيها محافظاتٌ أُخرى في هذا الوطنِ الغالي، كالفوسفاتِ والبوتاسِ والنحاسِ وغيرها من الثرواتِ التي تُشكّلُ العمودَ الفقريَّ للاقتصادِ الأردنيّ.
حقيقةُ الثروةِ الحرجيةِ العظيمةِ في محافظةِ عجلون من أهمِّ الثرواتِ التي تجعلُ المحافظةَ تحتلُّ الصدارةَ في قضيّتَي السياحةِ والاستثمار، ولولا هذه الثروةُ العظيمةُ لما كنّا رأينا لا استثمارًا ولا سياحةً في المحافظة، ولا حتى أيَّ أحدٍ يزورها للاستمتاعِ بالأجواءِ الهادئةِ والخلّابةِ فيها، بفضلِ أشجارِها الحرجيةِ المعمّرةِ والنادرة، وأشجارِ اللازبِ والقيقبِ والسنديانِ التي تُبادُ اليومَ بكلِّ دمٍ باردٍ على أيدي فئةٍ من تُجّارِ الحطبِ والمافياتِ الذين لا يخافونَ اللهَ ولا يتّقونه، وبالطبع لا هدفَ لهم إلا مصالحَهم الشخصيةَ وتحقيقَ المالِ بأيِّ وسيلةٍ كانت، حتى لو كان ذلك على حسابِ ثروتِنا التي لا تُقدَّرُ بثمن.
بالطبع اليومَ الواقعُ على الأرضِ مريرٌ جدًّا، ويشيرُ إلى أنَّ حجمَ الكارثةِ والاعتداءاتِ على ثروتِنا الحرجيةِ في محافظةِ عجلون تجاوز كلَّ الحدودِ والخطوط، والأدلّةُ والشواهدُ على ذلك كثيرةٌ.
أعرفُ جيّدًا أنَّ الحاكميةَ الإداريةَ في المحافظةِ ودائرةَ الحراجِ ووزارةَ الزراعةِ مهتمّون جدًّا بقضيّةِ الثروةِ الحرجيةِ والحفاظِ عليها، وأعرفُ أنّهم يبذلون كلَّ جهدٍ ممكنٍ للحفاظِ على ما تبقّى من هذه الثروةِ العظيمة، ولكن للأسف الشديد فإنَّ الواقعَ على الأرضِ أصبح لا يسرُّ عدوًّا ولا صديقًا، فالقضيّةُ لم تعد قضيّةَ فقراءَ وعائلاتٍ وأُسرٍ محتاجةٍ كانت فيما مضى تجمعُ الأحطابَ اليابسةَ من الغاباتِ لاستخدامِها في المدافئ، ولكن القضيّةَ تجاوزت ذلك بكثير، حيث أصبحت ثروتُنا الحرجيةُ تُبادُ بكلِّ دمٍ باردٍ لبيعِها بأبخسِ الأثمانِ للفللِ الفارهةِ والمواقدِ والمطاعمِ خارجَ محافظةِ عجلون.
المطلوبُ اليومَ أن تتضافرَ كافّةُ الجهودِ الرسميةِ والشعبيةِ للحفاظِ على ما تبقّى من ثروتِنا الحرجية، فكلُّنا شركاءُ في المسؤوليّة، وبالطبع هناك العديدُ من الاقتراحاتِ والأفكارِ التي من الممكن أن تُسهمَ في حمايةِ ثروتِنا الحرجية، وأنا واثقٌ كلَّ الثقةِ أنَّ وزارةَ الزراعةِ ودائرةَ الحراجِ بصورتِها ، لذلك لا بدَّ أن نتحرّكَ بأقصى سرعةٍ وعلى كافّةِ المستويات، فقد بلغ السيلُ الزُّبى ولم يعد ينفعُ السكوتُ عن هذه الإبادة، وأخشى ما أخشاه أن يأتيَ ذلك اليومُ الذي لا نجدُ فيه شجرةً معمّرةً نتفيّأُ في ظلِّها أو نتنسّمُ بهوائِها العليل.
ولذلك أقترحُ في هذا المجال ما يلي:
أولًا: تفعيلُ جميعِ أبراجِ مراقبةِ الحراج، وعددُها ثمانيةُ أبراجٍ منتشرةٌ في كافّةِ مناطقِ المحافظة، وهي على ما أعتقدُ معطّلةٌ منذ فترةٍ طويلةٍ لعددٍ من الأسباب، من أهمِّها قلّةُ عددِ الموظفين.
ثانيًا: زيادةُ عددِ موظّفي الحراجِ إلى ثلاثةِ أضعافٍ على الأقل، فعددُهم الآن لا يتجاوزُ حاجزَ خمسين موظّفًا، والأهمُّ أيضًا زيادةُ رواتبِهم زيادةً مجزيةً كي يكونَ حافزًا لهم لبذلِ كلِّ جهدٍ ممكنٍ لحمايةِ ثروتِنا الحرجية.
ثالثًا: يجبُ تفعيلُ الأنظمةِ والقوانينِ المتعلّقةِ بالحراجِ وتطبيقُها بكلِّ قوّةٍ على المعتدين على الثروةِ الحرجية.
رابعًا: تزويدُ موظّفي الحراجِ بكلِّ ما يلزمُهم من معدّاتٍ وإمكانات، وخاصّةً في مجالِ البكمات، وما يلزمُها من الديزلِ بشكلٍ كافٍ كي يتمكّنوا من التنقّلِ في المناطقِ المخصّصةِ لهم بكلِّ يسرٍ وسهولة.
خامسًا: ضرورةُ تنظيفِ الغاباتِ بشكلٍ دوريٍّ من النفاياتِ والأعشابِ اليابسة، وتقليمُها باستمرارٍ للحدِّ من الحرائقِ التي تزدادُ بشكلٍ ملحوظٍ بسببِ النفاياتِ والأعشابِ اليابسة.
سادسًا: ضرورةُ أن تلتزمَ الحكومةُ بعدم زيادةِ أسعارِ الكاز، وأن يكونَ سعرُه دائمًا بمتناولِ جميعِ الأُسرِ الأردنية.
سابعًا: قامت وزارةُ الزراعةِ خلالَ الأعوامِ الماضيةِ بتوزيعِ ما يقاربُ ثلاثمئةِ طنٍّ حطبًا مجّانًا على الأُسرِ الفقيرةِ والمحتاجة، وهنا أقترحُ أن يكونَ هذا التوزيعُ سنويًّا، إضافةً إلى ضرورةِ خفضِ أسعارِ الحطبِ الذي يُباعُ للمواطنين من قبلِ مديريةِ زراعةِ عجلون مباشرةً.
ثامنًا: يجبُ أيضًا التركيزُ على الجانبِ التوعويّ في عمليّةِ الحفاظِ على الثروةِ الحرجية، وخاصّةً من خلالِ مضاعفةِ المحاضراتِ والندواتِ والتقاريرِ الإخبارية، والاستعانةِ بخطباءِ المساجدِ لبيانِ أهميّةِ المحافظةِ على ثروتِنا الحرجية.
تاسعًا: أعتقدُ أنَّ عطوفةَ محافظِ عجلون متشدّدٌ جدًّا في قضايا الاعتداءاتِ على الثروةِ الحرجية، لذلك أتمنّى عليه أن يواصلَ هذا النهج، وأن لا يقبلَ بأيِّ واسطةٍ مهما كان مصدرُها للتوسّطِ لأيِّ معتدٍ على ثروتِنا الحرجية.
بالطبع هناك عددٌ آخرُ من الاقتراحات، وأنا واثقٌ كلَّ الثقةِ بوزارةِ الزراعةِ والحراجِ بصورتِها الكاملة، لكن من واجبِنا أن نكونَ دائمًا معهم، نُقدّمُ لهم كلَّ أشكالِ الدعمِ والمساندة، فمهمّتُهم ليست سهلةً على الإطلاق، بل هي معقّدةٌ وخطيرةٌ جدًّا، خاصّةً وأنَّ موظّفَ الحراجِ أعزل، فما عساه أن يفعلَ وسطَ الظلامِ الدامسِ بمواجهةِ مافياتِ التحطيبِ الذين من الممكن أن يفعلوا أيَّ شيءٍ لإبادةِ ثروتِنا الحرجيةِ التي تُبادُ الآن بكلِّ دمٍ بارد.
أمّا قَتَلَةُ الأشجار فأقولُ لهم فقط:
«اِعلَموا أنَّ اللهَ يُمهِلُ ولا يُهمِل».
والله من وراء القصد ،،،
بقلم / منذر محمد الزغول
ناشر ومدير وكالة عجلون الاخبارية

