كنيسة حمود في الكرك.. رصاص الغدر يستهدف الأردن والإسلام ووحدة الوطن


مهدي مبارك عبدالله

 

لم يكن الرصاص الذي انطلق باتجاه المشيعين في كنيسة حمود بمحافظة الكرك مجرد اعتداء مسلح على مواطنين آمنين كانوا يودعون فقيدتهم في لحظة حزن إنساني موجع بل كان جريمة بالغة الخطورة تستهدف معنى الوطن نفسه وتضرب في صميمه قيم الأمان والتسامح والعيش المشترك فحين تتحول لحظة العزاء إلى ساحة للقتل ويصبح مكان العبادة مسرحاً للغدر فإننا لا نكون أمام جريمة عادية بل أمام انحدار أخلاقي وإنساني يستوجب الإدانة المطلقة والمواجهة الحازمة والمساءلة التي لا تستثني أحداً لإن ما جرى في قرية حمود يوم الجمعة الثالث والعشرين من تشرين الأول عام 2026 يفرض وطنيا على الأردنيين جميعاً أن يرفعوا صوتهم عالياً بأن دماء الأبرياء ليست مباحة وأن الكنائس والمساجد ليست أهدافاً مشروعة لأصحاب العقول المريضة والانفس الحاقدة وأن أمن الأردن ووحدته الوطنية خط أحمر لا يملك أحد من المارقين حق تجاوزه .

إن فداحة هذه الجريمة لا تكمن في عدد الضحايا وحده بل في طبيعة المكان والزمان والرسالة التي يمكن أن يكون مرتكبوها قد أرادوا إيصالها خاصة وان المشيعون لم يكونوا في مواجهة مع أحد ولم يحملوا سلاحاً ضد أي جهة ولم يهددوا أمناً أو استقراراً بل كانوا امنيين في ديرتهم يمارسون حقهم الإنساني والديني في توديع عزيزتهم وان من يختار جنازة لتكون مسرحاً لانحرافه وتطرفه لإراقة الدماء واستهدف أشخاصاً آمنين في محيط كنيسة إنما يكشف عن سقوطه في هاوية من الوحشية الدنيئة التي لا يبررها دين ولا تسوغها عقيدة ولا يسترها أي شعار لإن الجريمة النكراء هنا اعتداء على حق الحياة وحرمة الموت وكرامة الإنسان قبل أن تكون اعتداء على جماعة دينية مسالمة بعينها .

الحقيقة الراسخة ان الإرهاب ليس غريباً عن التجربة الأردنية حتى نتعامل مع هذه الجريمة وكأنها خطر ظهر للمرة الأولى. فقد دفع الأردن ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب خلال تفجيرات فنادق عمان عام 2005 ثم في أحداث الكرك عام 2016 التي استشهد خلالها عدد من رجال الأمن والمواطنين واحداث السلط واربد وفي كل مرة راهن المجرمون الاثمون على أن الدم سيزرع الخوف وأن الصدمة ستفتح أبواب الفتنة وأن استهداف المجتمع من داخله سيضعف الدولة ويهز ثقة الناس بمؤسساتها لكن الأردنيين على الدوام أثبتوا مراراً أن وحدتهم الوطنية وتماسكهم المصيري أقوى من كل رصاص الغدر ومخططات الطغاة وأن الدولة الاردنية التي تستند إلى شعب قوي ومتماسك تستطيع مواجهة أخطر التحديات واقساها وما جرى في كنيسة حمود يعيد التحذير من أن الإرهاب لا يموت بانتهاء عملية ولا ينتهي بمجرد القبض على منفذيها بل يحتاج إلى يقظة أمنية دائمة ومواجهة فكرية واجتماعية مستمرة وجادة تجفف منابع التطرف والتحريض والغلو في التكفير.

من هنا فإن موقفنا من هذه الجريمة يجب أن يكون واضحاً وحاسماً في دعم القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي ورجال الأمن العام وسائر الأجهزة الأمنية في أداء مهمتها وواجبها الوطني لان هذه المؤسسات المؤتمنة هي خط الدفاع الاول عن أمن المواطنين وكرامتهم واستقرار بلدهم ومن حقها وواجبها أن تلاحق الجناة وتكشف ملابسات الجريمة وتحدد المسؤوليات وتصل إلى كل جراذين الحفر والامتصاصية وتتبع من خطط أو حرّض أو موّل أو نفذ وفق ما تكشفه التحقيقات اللاحقة مع العلم الواعي بان دعمنا الكامل للأجهزة الأمنية يجب الا يستبق نتائج التحقيق أو تداول روايات غير موثقة او الانجرار وراء ابواق الكراهية والاثم والعدوان بل يعني الثقة بمؤسسات الدولة ورجالاتها وإفساح المجال أمامها لأداء واجبها ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة وفق القانون الذي لن يرحمهم كما أن الحزم الحقيقي والمواقف الصلبة لا تقاس بمدى ارتفاع الشعارات والبيانات وحجم المسيرات وهدير الميكروفونات بل بقدرة الدولة على منع تكرار الاعتداءات المماثلة وحماية المواطنين جميعاً وترسيخ سيادة القانون دون تهاون أو انتقائية.

ان أخطر ما يمكن أن يريده مرتكبو هذه الجريمة هو أن تتحول دماء الضحايا إلى وقود للانقسام الوطني بين المسلمين والمسيحيين أو أن تنجح رصاصاتهم في بناء جدار من الشك والكراهية بين أبناء الكرك والأردنيين عموماً وهنا يجب أن نؤكد بوضوح إنهم لن ينجحوا ما دام الأردنيون يدركون أن المسيحيين ليسوا ضيوفاً على وطنهم وأن المسلمين ليسوا أوصياء على مواطنة غيرهم وأن الجميع شركاء في الأرض والتاريخ والحقوق والواجبات والمصير وإن المسيحي الأردني الذي يحزن اليوم على ضحايا كنيسة حمود هو شريك اصيل في الحزن الوطني كما أن المسلم الذي يدين الاعتداء لا يتضامن مع جماعة غريبة عنه بل يدافع عن أخيه في الوطن وعن قيمة إنسانية ودينية أصيلة فالكرك التي عرفت النخوة ومرابع الرجولة والبطولة وصدق التآخي وحسن الجوار والتاريخ المشترك لا يجوز أن يختطف هويتها مجرمون ضالون وفاسقون يريدون فرض منطق الدم على مجتمع عاش طويلاً على اواصر المحبة والكرامة والوفاء .

لعل الاهم والضروري هنا أن نواجه اليوم هذا الإرهاب بالحقيقة الدينية لا بالمجاملة أو الخطاب العاطفي وحده وان نبين ن الإسلام الحنيف وشريعته السمحاء لا يمنح أحداً تفويضاً بقتل الأبرياء أو الاعتداء على دور العبادة أو إخافة الناس بسبب دينهم وهويتهم حيث يقول الله تعالى في سورة الحج ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ وهذه الآية تذكر الصوامع والبيع والصلوات والمساجد في سياق حماية دور العبادة من الهدم والاعتداء كما يقول سبحانه في موضع اخر ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وليس في هذين القرانين أو في باقي مقاصد الشريعة ما يجيز تحويل الاختلاف الديني إلى ذريعة للقتل أو الاعتداء وقد أكدت دار الإفتاء الاردنية صراحة حرمة هدم الكنائس وتفجيرها وقتل من فيها أو ترويع أهلها وعليه فإن كل من يستحل دم إنسان ذمي آمن أو يعتدي على كنيسة باسم الإسلام إنما يرتكب جريمة محرمة تتعارض كليا مع مبادئ التي يزعم الدفاع عنها.

إن واجب العلماء والدعاة والمؤسسات التربوية والإعلامية في هذه اللحظة لا يقل أهمية عن الواجب الأمني فلا يكفي أن ندين الجريمة بعد وقوعها ثم نترك خطاب الكراهية والعنصرة والتكفير والتحريض يتسلل إلى العقول والبيوت والمنابر والمنصات دون مواجهة صريحة لكل خطاب ينزع عن المخالف حقه في الحياة أو يختزل المواطنة في الانتماء الديني أو يصور الاعتداء على الأبرياء باعتباره بطولة أو جهاداً مقدس كما أن حماية الشباب من التطرف تحتاج إلى تعليم يعزز التفكير المسؤول وثقافة تحترم الإنسان وخطاب ديني يميز بين الإيمان والتعصب وبين الاختلاف والعداء وبين قوة الدولة والفوضى التي يسعى المجرمون المتشددون إلى فرضها ولا يجوز ايضا أن يتحول التسامح والانسانية إلى تهاون مع الجريمة أو أن تتحول حرية الرأي إلى غطاء للتحريض على العنف والكراهية والقتل .

الدولة الأردنية بعد تكرار حوادث الارهاب القذرة باتت مطالبة اليوم بموقف حازم يطمئن المواطنين ويصون السلم الأهلي ويؤكد أن أمن الكنائس لا ينفصل عن أمن المساجد وأن حماية المسيحيين ليست شأناً خاصاً بطائفة بل مسؤولية وطنية ودستورية وأخلاقية جامعة واساسية كما أن المجتمع الاردني الاصيل مطالب بالامتناع عن نقل الشائعات وعدم الانجرار إلى الاتهامات الجماعية أو الانتقام خارج القانون لأن ذلك يمنح المجرمين فرصة أقوى لتحقيق ما قد يكونون قد سعوا إليه من اضطراب وانقسام وفتنة والمطلوب ايضا أن تتحول وحدة الأردنيين من عبارة تردد في بيانات الشجب والادانة والاستنكار إلى ممارسة يومية فعلية تحمي الجار في كل مكان وتردع المحرض أي كان وتدعم مؤسسات الدولة وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار وغال ونفيس .

اما رسالتنا إلى اخواننا وأهلنا المسيحيين في الكرك الشماء وفي الأردن الثغر الاغر كله نقول إن مصابكم مصابنا وإن الألم الذي أصاب كنيسة حمود أصاب كل بيت أردني بمؤمن بهذا الحمى العربي الصابر وبأن الكرامة لا تتجزأ وأن الدم البريء لا دين له ولا انتماء وأن الاردن لا يقبل القسمة بين أبنائه كما نتوجه ونتقدم إلى أسر الضحايا بأصدق مشاعر العزاء والمواساة سائلين الله أن يرحم من قضوا وأن يمن على المصابين بالشفاء العاجل وأن يلهم ذويهم الصبر والقوة وإلى رجال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية نقول إن الأردنيين الشرفاء كافة يقفون معكم في معركة المصير لحماية الوطن وسيادته وأمن مواطنيه وإن كشف الحقيقة وملاحقة الجناة ومحاسبتهم هو الطريق الوحيد إلى العدالة ومنع تكرار المأساة .

ختاما : نؤكد للمرة المليون بان الرصاص الذي استهدف كنيسة حمود في الكرك لن يكون أقوى من تاريخ الأردن وتضحيات ابطاله ولا أعمق من جذور الأخوة بين أبنائه ولا أقدر على هدم ما بناه الهاشميون الشرفاء والأردنيون الاوفياء عبر أجيال من التعايش والتكافل والمصير المشترك لكن الرد الحقيقي لا يكون بمشاعر الحزن والكلمات وحدها بل بتعزيز الدولة القوية العادلة واليقظة الأمنية المستمرة والمجتمع الواعي الذي يرفض كل دواعي التطرف والغلو بلا تردد ويحمي التعدد بلا خوف ويحاسب الجناة بلا انتقام وعلى كل من يظن أن دماء الأبرياء ستفتح باب الفتنة أن يدرك الف مرة أن الأردن ليس ساحة مستباحة لأوهام التكفير والتنطع وأن الكرك لن تكون أرضاً للانقسام بل قلعة شامخة للعزة والفداء والكرامة والوحدة كما ستبقى الكنيسة والمسجد في هذا الوطن لوحة اخوة وتعايش جميلة يتقابلان في كل محافظة ومدينة وحي عنوانين مشرق لحرية العبادة وحرمة الإنسان وسيظل الأردنيون مسلمين ومسيحيين صفاً واحداً في مواجهة الإرهاب وازلامه لأن المعركة ليست بين دين ودين بل بين دولة القانون وعصابات الجريمة المنظمة وبين الأخوة الوطنية وأعداء الحياة حمى الله الأردن وشعبه وقيادته الهاشمية من كل مكروه وحفظ قواته المسلحة وأجهزته الأمنية ونسيجه الوطني متيناً وصامداً في وجه الفتن وأدام على أبنائه نعمة الأمن والاستقرار والوحدة والسلام .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.