كوفيد-19″ ومعضلة العلاقة بين رأس المال وعالم العمل


د. سلام الربضي

بقلم  / د. سلام الربضي

يجب الاعتراف بحقيقة أن التطورات الاقتصادية الراهنة وسيرورة نمو التجارة الحرة، ما زالت تنمو بعيداً عن سوق العمل، وتترك تأثيراً سلبيياً على مستوى المساواة والعدالة الاجتماعية. إذ أن الفجوة بين أصحاب الثروات من ناحية ورواتب العمال من ناحية أخرى، تزيد الشكوك حول سلامة المجتمع. فكلما ازدادت وتيرة النمو التجاري (في البضائع والخدمات) بكل حرية، تزداد المصاعب على مستوى سوق العمل، حيث هناك تقليص وترشيد يؤديان إلى فقدان العمل البشري قيمته، حيث لا بد من ملاحظة، إنه لم يكن هنالك عولمة حقيقية فيما يتعلق بسوق العمل.

وفي هذا السياق، ووفقاً لتقارير منظمة العمل الدولية، تسبب وباء “كوفيد-19” في أضرار بالغة على قطاع العمل، حيث هنالك خسارة ما يزيد عن 250 مليون وظيفة، ناهيك عن تأثير الجائحة السلبي على صعيد إبطاء أو عكس اتجاه ارتفاع الأجور في جميع أنحاء العالم، مما أثّر على أصحاب الأجور المنخفضة، بالإضافة إلى تفاقم عدم المساواة بين الأغنياء والفقراء وازدياد معدل الفقر . لذلك، إذا كانت السياسات الاقتصادية المتعلقة بحرية التجارة وأهداف منظمة التجارة العالمية (WTO) القائمة على إلغاء القيود الكمية هي التي تؤمن النمو والرفاهية، بالتالي يجب علينا الاستفسار:

هل ستؤدي هذه السياسات والأهداف إلى تعميق أزمة سوق العمل؟ أم أنها ستكون نقطة تغيير وتحول إيجابي؟

لقد بات من المنطقي القول، أن هذه الأهداف أو السياسات زادت من حدة المنافسة بين الدول (سواء الصناعية أو النامية) والتي أدت إلى نتائج كارثية على مستوى ارتفاع معدلات خفض الأجور وتآكل قيمتها الشرائية. حيث أن كل الجهود المبذولة للعثور على بدائل لفرص العمل الضائعة، لم تحقق النتائج المرجوة. وفي هذا الإطار، علينا أدراك حقيقة أن الإشكالية الأساسية في عالمنا المعاصر على مستوى العلاقة بين التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي، هي إشكالية الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وهذا يستوجب طرح التساؤل:

هل نحن نعيش في عصر الاقتصاد من أجل الاقتصاد وليس من أجل المجتمع؟

تبقى الحقائق المبنية على المصلحة العامة هي المعيار الأساسي لتقييم السياسة الاقتصادية الناجحة. وعليه، بعيدًا عن التنظير ووفقًا للإحصاءات والبيانات الخاصة بالفجوة الاقتصادية وإذا أخذنا في الاعتبار أن النسبة الأكبر من المواطنين هم عمال أو موظفون يعملون بأجر، يمكننا القول أن الاقتصاد لم يعد يعمل لصالح المجتمعات. وانطلاقاً من ذلك، فاقمت الكثير من السياسات المتبعة من وتيرة جمود الوضع الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، ينعكس الانخفاض في الأجور في أسعار السلع أيجابياً بالدرجة الأولى وبشكل مباشر، على المستهلك الغني الذي لم يفقد شيئاً من دخله، في المقابل فإن الطبقات الفقيرة هي التي تفقد جزء كبير من دخلها، وبالتالي تتأثر سلباً أكثر. بناءً على ذلك، ووفقاً لتداعيات جائحة “كوفيد- 19” الاقتصادية، لا يمكن حالياً تجنب وتجاهل البحث في معضلة:

من يتحمل الأعباء الاقتصادية أكثر: رأس المال أم العمال؟

بناءً على بديهيات السياسات الاقتصادية الحالية، يتضح أن الحكومات تزيد من الأعباء الضريبية على قطاع العمل، كما أن الإعفاءات والتسهيلات الضريبية التي تقدمها الحكومات للشركات عبر الوطنية، يؤدي إلى انخفاض إيرادات الدولة المالية التي سوف تعوضها عن طريق زيادة الضرائب على الطبقات الاجتماعية الأخرى، أو عن طريق تقليص الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية. وبالتالي يتضح أنه، إذا كانت المعادلة الاقتصادية والمالية السابقة، تعكس بشكل أكبر الفجوة الآخذة في الاتساع بين الأغنياء والفقراء، والتي تركز على مبدأ: الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقر، ولكن الآن في ظل الحقائق والتطورات الجديدة، لم تعد هذه المعادلة كافية لتوضيح التغيرات، فهنالك صيغة أو معادلة جديدة ترتكز على مبدأ:

الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقرا بوتيرة أسرع؟

حيث أنه ليس من المستغرب على الإطلاق، معرفة أن هناك سرعة عالية في توفير الأموال من أجل إيجاد حل لأي أزمة مالية أو اقتصادية عالمية، مقارنة بحقيقة أن هناك حذراً شديداً (بل وبخلاً) عندما يتعلق الأمر بالتمويل الإنساني والبرامج المتعلقة بانتشال المجتمعات الأقل حظًا (المحرومة والمهمشة) من الفقر والعوز. فعلى سبيل المثال، هنالك حاجة فقط إلى عشرات المليارات سنوياً للقضاء على الجوع وسوء التغذية في العالم بأسره( وقد أقرت الأمم المتحدة عدة برامج مختلفة لتحقيق هذا الهدف)، لكن هذه البرامج لا تزال على الورق فقط بسبب عدم توفر الأموال اللازمة.

إذ يجب إن ترتكز جميع الحلول الاقتصادية والسياسية المرتبطة بتحديات بجائحة “كوفيد-19″، بالدرجة القصوى على إمكانية حماية ودعم كل السياسات المتعلقة بصون مصالح طبقة العمال والفقراء. إذ لا بد أن تكون القضية المركزية قائمة على الانتقاد المنطقي المتمثل بالوجود الفعلي والارتجاعي للفقر واللامساواة. وهذه الحقائق المأساوية وبعيداً عن الأبعاد الأيديولوجية في دراسة وتقييم الاقتصاد العالمي، تضعنا أمام التساؤل الاستراتيجي التالي:

هل المشكلة تكمن في الأولويات والخيارات الاستراتيجية للدول؟ أم تكمن في الإمكانيات الفعلية المتاحة للدول؟

خلاصة القول، إن إمكانية تحقيق نهضة فعلية تخفف من وطأة الفقر والعجز المادي تعتمد على نوع الفكر الاقتصادي الواجب اتباعه، فنحن بحاجة إلى رؤى جديدة تستجيب لاحتياجات وقدرات المجتمعات. وبالتالي، هذا يستوجب توجية النقد الفكري لكيفية التفاعل والتعامل مع مع الليبرالية الاقتصادية الحديثة، ذلك لأنه لم يعد من المنطقي والمقبول التعامل مع هذا الواقع على أسس أيديولوجية فقط (سواء كانت مع أو ضد) ، دون وجود برامج ومشاريع اقتصادية عملية، حيث بات من الضروري مواجهة جدلية أو إشكالية:

لماذا يوجد الكثير من الأفكار حول كيفية توزيع الدخل وليس حول كيفية توليد الدخل؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.