كيف تعمل السفارة المسيحية الدولية في القدس على دعم الاحتلال وشرعنة الاستيطان ؟

مهدي مبارك عبدالله
تُعدّ السفارة المسيحية الدولية في القدس ( المعروفة اختصاراً بـ ICEJ ) واحدة من أبرز المنظمات الممثلة لتيار الصهيونية المسيحية العالمي ورغم استخدامها مصطلح سفارة إلا أنها ليست بعثة دبلوماسية رسمية تمثل أي دولة بل هي منظمة مسيحية إنجيلية غير ربحية تأسست لغايات سياسية ودينية واضحة لدعم دولة إسرائيل وهي إحدى الأذرع الفكرية والسياسية التي تساهم بشكل مباشر في دعم سياسات الاستيطان وتهويد مدينة القدس وتنتشر السفارة المسيحية الدولية اليوم عبر مكاتب وفروع وممثلين في أكثر من 90 دولة ولها قاعدة دعم تمتد إلى 170 دولة في العالم .
تأسست المنظمة في 30 سبتمبر/ أيلول عام 1980 في الشطر الغربي من مدينة القدس وقد جاءت خطوة التأسيس كرد فعل مباشر على قرار 13 دولة أجنبية نقل سفاراتها الرسمية من القدس إلى تل أبيب بعد إصدار الكنيست الإسرائيلي قانون القدس الذي أعلن المدينة عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل وهو ما رفضه المجتمع الدولي آنذاك لكون القدس مدينة محتلة بموجب القرارات الدولية ورداً على هذه الخطوة الدولية اجتمع أكثر من ألف رجل دين مسيحي ينتمون إلى كنائس من 23 دولة ( أبرزهم من اتباع التيار الإنجيلي المتشدد ) وعقدوا مؤتمراً أعلنوا فيه تأسيس هذه السفارة لإظهار التضامن المسيحي مع إسرائيل وقد ترأس المنظمة عند نشأتها الهولندي جان فان دير هوفين المتعصب للصهيونية .
تنطلق هذه المنظمة من خلفية دينية تُعرف بالصهيونية المسيحية وتقوم أفكارها على عدة ركائز أساسية منها الدعم المطلق لإسرائيل كما تؤمن المنظمة بأن قيام دولة إسرائيل الحديثة وتجميع اليهود فيها هو تحقيق للوعود والنبوءات التوراتية وتعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وتطالب دول العالم بالاعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل وترفض مطلقا أي مخططات لتقسيم المدينة أو التنازل عن أي جزء منها للفلسطينيين وقد تبنت المنظمة في مؤتمراتها (مثل مؤتمر بال في سويسرا عام 1985) قرارات ترفض الاعتراف بالحقوق السياسية للفلسطينيين أو تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية.
تنظم السفارة سنوياً مسيرة ضخمة في القدس خلال عيد ( المظال اليهودي العرش ) حيث تحشد آلاف المسيحيين الإنجيليين من مختلف قارات العالم لزيارة المدينة وإعلان الولاء لإسرائيل وتمارس المنظمة ضغوطاً سياسية في الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة لدعم السياسات الإسرائيلية وقد كان لها دور اساسي في تحفيز الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل كما تقوم بتمويل مشاريع إنسانية واجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي (مثل رعاية الناجين من الهولوكوست) كنوع من إظهار المحبة المسيحية الداعمة لليهود وتقدم دعماً مالياً ولوجستياً كبيراً لمساعدة اليهود حول العالم على الهجرة والاستقرار في إسرائيل
الحكومة الإسرائيلية منحت هذه المنظمة المتطرفة آنذاك مقراً كان في الأصل مبنى سفارة تشيلي الذي تعود ملكيته التاريخية لأسرة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد قبل مصادرته لتصبح هذه المنظمة الذراع الأيديولوجي والمالي الأقوى لحركة الصهيونية المسيحية وقد ضمت الجماعة في صفوفها ملايين الأتباع والمؤيدين المنتشرين بكثافة في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الإفريقية حيث يؤمن هؤلاء بعقيدة دينية مشوهة تقوم على حتمية دعم التوسع اليهودي في فلسطين كشرط مسبق لتحقيق نبوءات الخلاص اللاهوتية
ما يجب معرفته إن هذه المؤسسة المارقة لا تمثل الكنائس المسيحية التقليدية ولا تنتمي لروح الإنجيل السامية بل هي تنظيم سياسي استعماري مغلف بالشعارات الدينية يعمل كخزان بشري ومالي لرفد الاحتلال بالدعم اللوجستي وتجنيد الرأي العام الغربي لحماية السياسات العنصرية الصهيونية وتبرير المجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.
الدور العملي الخبيث لهذه السفارة المزعومة تجسد في مؤتمرها السنوي الأخير لعام 2026 حيث نظمت رحلات ضخمة شملت آلاف المسيحيين الإنجيليين المتطرفين لزيارة مستوطنات الضفة الغربية المحتلة بهدف كسر العزلة الدولية المفروضة على تلك البؤر الاستعمارية غير القانونية وأطلق قادة المنظمة خلال المؤتمر حملات دعائية وإعلامية مكثفة تعادي بشكل سافر محاولات الدول الأوروبية وبعض المنظمات الحقوقية لقطع علاقاتها التجارية مع المستوطنات فرض حظر شامل على بيع منتوجاتها في الأسواق العالمية كما اعتبرت المنظمة في بياناتها الرسمية أن القوانين التي سنت في أوروبا مؤخرا ضد شراء المنتجات من المجتمعات اليهودية في الضفة الغربية هي بمثابة معاداة جديدة للسامية ومحاولة لضرب الاقتصاد الإسرائيلي وتجريد الكيان من سيطرته الميدانية على أراضي يهودا والسامرة بحسب المسميات التوراتية المزورة التي يتبنوعها علناً.
الوقاحة السياسية واللاهوتية لقادة هذه الجماعة تمثلت في عقد مقارنة تاريخية مغالطة ومقززة وصادمة للعقل البشري عندما صرحوا فوق منابرهم بـأن الإجراءات الأوروبية الحالية تشبه مخططات الماضي النازي وادعوا زيفاً وتزويراً ( أنه قبل عدة أجيال أراد الزعيم الألماني أدولف هتلر جعل أوروبا خالية من اليهود والآن يريد السياسيون الأوروبيون جعل يهودا والسامرة خاليتين من اليهود ) متسائلين بخبث مكشوف عن سبب منع اليهود من العيش هناك في وقت يعيش فيه العرب المسلمون داخل إسرائيل والغريب إن هذه المقاربة الصبيانية تسقط عمداً حقيقة أن المستوطنين هم غزاة ومحتلون استولوا على الأرض بقوة السلاح وطردوا أصحابها الحقيقيين بينما وجود الفلسطينيين في أرضهم هو حق تاريخي طبيعي متجذر لا يمكن مقارنته بكتل بشرية مستوردة من وراء البحار لسرقة الهوية الجغرافية للبلاد.
اللافت ان أعمال هذه الجماعة المتطرفة لم تتوقف عند الدعاية السياسية وحشد الوفود بل امتدت لدعم جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر تمويل مباشر لبناء الملاجئ وتوفير المعدات اللوجستية والسترات الواقية للجنود على جبهات القتال وبخاصة خلال حرب الإبادة المستمرة ضد قطاع غزة :والشمال كما قامت السفارة المسيحية الدولية بجمع مئات المليارات من الدولارات سنوياً عبر تبرعات الكنائس الإنجيلية في أمريكا لتمويل خطط الهجرة اليهودية وتسهيل استيعاب آلاف المستوطنين الجدد في الأراضي المصادرة بالضفة الغربية والقدس وتوفير شبكات أمان اقتصادي للبؤر الاستعمارية المعزولة وهذا التمويل الموجه جعل من هذه المنظمة شريكاً كاملاً في جريمة التطهير العرقي وتغيير الديموغرافيا الفلسطينية لصالح المشروع الصهيوني الاستثماري والعسكري الذي تشكل واشنطن وتل أبيب رأسه المدمر.
منذ انطلاقتها حظيت السفارة المسيحية الدولية بدعم سياسي ومالي مطلق من تيارات اليمين المحافظ في الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في الحزب الجمهوري وإدارة الرئيس دونالد ترامب التي تتبنى العقيدة الإنجيلية كقاعدة انتخابية أساسية لضمان البقاء في السلطة وقد انضم إلى شبكة الدعم الدولي بعض الحكومات اليمينية المتطرفة في دول أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين وغواتيمالا بالإضافة إلى سيطرتها على شبكات إعلامية ضخمة تسيطر على الرأي العام في الغرب وتوجهه لدعم الرواية الصهيونية في الأزمات وهذا التحالف النفعي المشبوه بين مافيات المال والسياسة في نيويورك وبين الأيديولوجيا المشوهة في القدس يسقط ما تبقى من أقنعة إنسانية لهذه الجماعات ويؤكد للعاِلم أجمع أن صمت المنظومة الدولية يشرعن لشريعة الغاب والاستعمار الجديد.
الفرق العقائدي والأخلاقي الشاسع بين الدين المسيحي الحقيقي برسالته السامية القائمة على المحبة والسلام والعدالة ونصرة المظلومين وبين هذه الجماعات الصهيونية المتطرفة التي اختطفت الرموز الدينية لتوظيفها في خدمة الاستعمار الغربي وسحق حقوق الشعوب السيادية يبرز في الطبيعة الروحية للمسيحية التي ترفض بشكل قاطع سفك الدماء واحتلال أراضي الغير ومباركة المجازر كما تعتبر الفكر الصهيوني الإنجيلي بدعة لاهوتية منحرفة وهجينة لا صلة لها بتعاليم السيد المسيح عليه السلام التي نادت بالحق ورفعت لواء المستضعفين في وجه الطغاة وإن هذا الانكشاف العقائدي يسقط القيمة الأخلاقية للسفارة المسيحية الدولية ويظهرها كأداة وظيفية رخيصة تستخدم الصليب ورسالته كدرع لحماية الدبابات والجرافات الصهيونية التي تهدم بيوت ومستقبل الشعب الفلسطيني .
الواقع الميداني والسياسي الحالي يثبت بصورة واضحة أن محاولات هذه المنظمة المشبوهة لشرعنة الاستيطان وكسر المقاطعة الدولية قد باءت بالفشل الاستراتيجي الفاضح أمام صمود الشعب الفلسطيني وإصرار قواه الحية على كشف زيف هذه الشبكات الاستعمارية وتفكيك طروحاتها الملتوية خاصة وان الشعوب الحرة في أوروبا والعالم طورت وعياً قانونياً متقدماً قادراً على فرز البضائع المغسولة بالدم والجريمة والتمييز بين اللاهوت الحقيقي وبين تجارة الحروب التي يتقنها السماسرة القابعون في أروقة السفارة المسيحية بالقدس وان هذا الوعي المتنامي يعزز من حركة المقاطعة الشاملة ويضع شركات السلاح الصهيونية والمجموعات الاستثمارية الداعمة للاحتلال في موقف دفاعي صعب ومحاصر في المحافل الحقوقية والقضائية الدولية بمحكمة لاهاي .
تاريخيا جميع الكنائس التقليدية الكبرى في الغرب والشرق تتحمل المسؤولية التاريخية الكاملة عن الصمت الطويل تجاه تغلغل هذه البدعة الصهيونية المسيحية وعدم التصدي الشجاع لمحاولات تزوير العقيدة وتوجيه أموال المؤمنين لخدمة جيش الاحتلال الإسرائيلي إن مواجهة هذا السلوك المشوه تتطلب ثورة فكرية وإعلامية داخل الكنائس العالمية لإعلان البراءة التامة من مواقف هذه السفارة وبيان حجم الجريمة الأخلاقية التي ترتكب باسم الدين ضد مسيحيي ومسلمي فلسطين على حد سواء وإن السكوت على تسييس الإنجيل لتحويله إلى صك ملكية عقارية للمستوطنين هو طعنة في قلب الرسالة الإنسانية للمسيحية وتسهيل غير مباشر لإبادة الحضارة والتاريخ العربي في بيت لحم والقدس والناصرة.
الثابت إن استخدام هذه المنظمة لملف المساعدات الإنسانية والرحلات السياحية الدينية لشرعنة البؤر الاستعمارية في الضفة يعبر عن غباء سياسي واستهتار فج بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي تعتبر الاستيطان بأكمله جريمة حرب غير قانونية ويجب إزالتها فوراً دون شروط بعدما استطاعت القوى الحية في المنطقة ميدانياً مواجهة هذه الوفود التخريبية وعزل مفاعيل حشودهم الرقمية والإعلامية عبر التمسك بالسيادة على الأرض التي تصنعها تضحيات الشعوب الراسخة في ترابها وليس صفقات السماسرة والبروباغندا الكاذبة لنتنياهو وترامب حيث يظل الرهان معتمداً على تماسك الجبهة الداخلية الفلسطينية بمسيحييها ومسلميها لإفشال مخططات المسح الجغرافي والتهجين الثقافي التي تقودها عصابات المال والدين الصهيونية من واشنطن.
على الجانب الاستثماري واللوجستي الراهن نلاحظ أن المجموعات الصهيونية التي تمولها السفارة المسيحية الدولية بدأت تفقد غطاءها القانوني بعدما أصبحت أهداف مكشوفة للملاحقات القضائية والمظاهرات الشعبية العارمة التي تجتاح العواصم الغربية والتي تندد بحرب الإبادة وتدمير مقومات الحياة في قطاع غزة المنكوب وهذا يبرهن على أن عناصر الحسم التاريخي باتت تميل لصالح الحق والعدالة وأن الوعي الإنساني العالمي لم يعد ينطلي عليه استخدام فزاعة معاداة السامية لإخراس أصوات المنتصرين للمظلومين والمطالبين بمحاكمة القتلة وتجميد أصولهم المالية في المصارف الدولية لمنع استمرار عمليات الخنق المنظم للشعب الفلسطيني .
خلال التحليل المعمق يتضح أن معركة الدفاع عن الهوية العربية للقدس والضفة هي معركة وعي كبرى تفكك من خلالها العقول خيوط المؤامرة الإمبريالية التي تقودها السفارة المسيحية الدولية لربط الجغرافيا الفلسطينية بالأساطير التوراتية المزورة وتحويل مأساة المشردين إلى مكتسبات دينية وعقارية للنخب الفاسدة في تل أبيب ونيويورك وهذا ما منح الكنائس الشرقية الأصيلة القوة لمقاطعة هذه الهياكل الاستعمارية وتعرية القائمين عليها أمام الرأي العام العالمي باعتبارهم شركاء كاملين في سفك الدماء وتدمير السلام الحقيقي وتخريب العيش المشترك الذي ميز العواصم العربية لقرون طويلة من الزمن.
إسرائيل رغم ما امتلكته من قوة عسكرية وسياسية لم تتمكن من اقتلاع هوية المسيحي الفلسطيني ولا قطع انتمائه إلى أرضه وأن بقاء المسيحيين والمسلمين معًا في فلسطين يمثل دفاعًا عن تاريخ البلاد وهويتها ومستقبلها وأن حماية هذا الوجود وحماية الحريات الدينية والحقوق المدنية لجميع الفلسطينيين مسؤولية وطنية وإنسانية وروحية تتجاوز حدود فلسطين إلى العالم بأسره.
ختاما : ان حقيقة هذه السفارة الدولية تؤكد للعالم أجمع أن قطاع غزة المنكوب وفلسطين بأكملها ليست ساحات لتمرير الخدع الأيديولوجية أو حقولاً لطمس معالم الحق التاريخي العربي كما توجه نداءً حاسماً وصارماً إلى مسيحيي العالم الشرفاء وإلى المسيحيين العرب الصامدين في فلسطين وفي مقدمتهم رموز الكرامة والوطنية الشامخة أمثال المطران عطا الله حنا والأب مانويل مسلم وغيرهم من قادة الفكر والوعي الكنسي الأصيل ليؤكدوا بلغة اليقين والسيادة المطلقة أن الصمود والثبات فوق التراب الوطني المقدس هو السد المنيع والرد الحقيقي المستحق لتفكيك أوهام السفارة المسيحية الدولية وسحق أكاذيبها الاستعمارية وتزوير رسالة الإنجيل لخدمة رصاص المحتل وان هذه غريبة عن جسد الكنيسة وخائنة لقيمها السامية وأن التاريخ لن يرحم سماسرة الأديان الذين يبيعون كرامة الأوطان لقاء مصالح زائلة ومكاسب مشبوهة وأن الحق الفلسطيني والوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية في غزة والقدس ستبسط سيادتها المطلقة فوق الأرض والحدود رغماً عن غطرسة ترامب وبلطجة نتنياهو لتبقى الجغرافيا لأصحابها الشرعيين الراسخين كجبال فلسطين وبانتظار اللحظة الحتمية لتحرير المنطقة والإرادة الإنسانية برمتها .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

