لماذا يحتاج الأردن إلى مركز وطني للدراسات الإكتوارية والتأمينية؟


د.عبدالله محمد القضاة

في عالم تُدار فيه الاقتصادات الحديثة بالأرقام الدقيقة لا بالاجتهادات العامة، لم تعد الدراسات الإكتوارية ترفاً أكاديمياً أو اختصاصاً فنياً محدود الأثر، بل أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي والاستدامة المالية للدول. فكل قرار يرتبط بالتقاعد، والضمان الاجتماعي، والتأمين، وإدارة المخاطر، والالتزامات طويلة الأجل، يقف خلفه عقل إكتواري قادر على قراءة المستقبل بلغة الأرقام.
ومن هنا، يبرز سؤال وطني مهم: لماذا لا يمتلك الأردن حتى اليوم مركزاً وطنياً متخصصاً بالدراسات الإكتوارية والتأمينية، يعمل بعقلية مؤسسية حديثة، ويُدار وفق أسس تجارية ومهنية، ويحوّل الخبرة الإكتوارية من خدمة مستوردة إلى صناعة وطنية قابلة للتصدير؟
إن الحاجة اليوم لم تعد تقتصر على إعداد دراسة هنا أو تقرير هناك، بل تتطلب بناء مؤسسة وطنية متخصصة تكون مرجعاً علمياً واستشارياً للدولة والقطاع المالي والتأميني، وقادرة على إنتاج المعرفة الإكتوارية محلياً، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتقديم الخدمات المهنية على المستوى الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، تبدو فكرة إنشاء “المركز الوطني للدراسات الإكتوارية والتأمينية” خطوة استراتيجية تستحق النقاش الجاد، خصوصاً إذا أُنشئ كشركة وطنية ربحية تمتلك المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي 51% من رأسمالها، بما يضمن البعد الوطني والسيادي للمشروع، مع إدارة احترافية مستقلة تقوم على الكفاءة والمرونة والاستدامة المالية.
هذا النموذج لا يُنشئ مركزاً حكومياً تقليدياً يستهلك الموازنات، بل يؤسس لبيت خبرة وطني قادر على تحقيق الإيرادات، وتقديم الخدمات الاستشارية والتدريبية لمؤسسة الضمان الاجتماعي، والبنوك، وشركات التأمين، والجهات الحكومية والخاصة، داخل الأردن وخارجه.
كما يمكن للمركز أن يتحول إلى منصة عربية متقدمة في الدراسات الإكتوارية، خاصة في ظل النقص الواضح في الكفاءات المتخصصة على مستوى المنطقة، وما يرافق ذلك من اعتماد واسع على بيوت خبرة أجنبية تتقاضى مبالغ كبيرة مقابل إعداد الدراسات والتقييمات المالية.
إن استمرار الاعتماد على الخارج في هذا النوع من الدراسات لا يعني فقط خروج الأموال، بل يعني أيضاً بقاء المعرفة الحساسة المتعلقة بالمخاطر المالية والتوقعات السكانية والتزامات أنظمة التقاعد والتأمين خارج الإطار الوطني. بينما الاستثمار في بناء خبرة أردنية متراكمة يرسخ الاستقلال المهني، ويمنح الدولة قدرة أكبر على التخطيط واتخاذ القرار.
وما يمنح هذه الفكرة بعداً أكثر أهمية هو الجانب المتعلق بالشباب الأردني. فالمركز المقترح يمكن أن يتحول إلى حاضنة وطنية لإعداد جيل جديد من الإكتواريين المعتمدين، من خلال برامج تدريب وتأهيل وشهادات مهنية متقدمة، بالشراكة مع الهيئات الدولية المتخصصة. وبدلاً من بقاء هذا التخصص النادر حكراً على عدد محدود من الخبرات الخارجية، يصبح للأردن مسار مهني وطني قادر على إنتاج الخبراء وتصديرهم أيضاً.
الأهم من ذلك، أن المشروع لا يتوقف عند حدود الدراسات الإكتوارية التقليدية، بل يمكن أن يضم وحدات متخصصة في تحليل المخاطر المستقبلية، ودراسات الشيخوخة والعجز والوفاة، وإصابات العمل، والتأمين الصحي، والنمذجة المالية، وتحليل البيانات الضخمة، واستشراف أثر التحولات الاقتصادية والديموغرافية على الاستدامة المالية للمؤسسات.
إن الدول التي تبني قوتها الاقتصادية الحقيقية ليست فقط تلك التي تمتلك المال، بل تلك التي تمتلك القدرة على فهم المخاطر وإدارة المستقبل. والمعرفة الإكتوارية اليوم أصبحت جزءاً من هذه القوة.
الأردن يمتلك العقول والكفاءات والبيئة المؤسسية التي تؤهله لإنجاح مشروع كهذا، لكنه يحتاج إلى قرار جريء ينقلنا من مرحلة استهلاك الخبرة إلى مرحلة إنتاجها، ومن استيراد المعرفة إلى تصديرها.
فالمركز الوطني للدراسات الإكتوارية والتأمينية ليس مجرد مشروع تدريبي أو استشاري، بل مشروع سيادة معرفية واقتصادية، يمكن أن يضع الأردن في موقع متقدم إقليمياً في واحدة من أكثر المجالات ارتباطاً بمستقبل الاستقرار المالي والاجتماعي للدول.
* مدير إدارة الدراسات في الضمان ،أمين عام وزارة سابقا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.