لن تمرّوا…!!!

د. عاطف القاسم الشواشرة
يطلّ علينا بين حين وآخر بهيئته اللافتة وأفكاره الهشّة، متكئا على خطاب صادم يستجدي به الأنظار، ويبحث من خلاله عن الاستحسان والتصفيق؛ مختلفا عن السياق العام للأدب الاجتماعي، والحقيقة أنه لا مشكلة في أن يختلف الناس، فالاختلاف سنة بشرية، ولا في أن تكون لنا مواقف وآراء متباينة تجاه الأشخاص والأفكار والتاريخ، فالمشكلة ليست في الاختلاف، وإنما في الطريقة التي نعبّر بها عنه، وفي تحويل الصدمة إلى وسيلة للظهور، والابتذال إلى عنوان للجرأة.
إن المشكلة تبدأ حين يتصدّر بعض الناس المجالس والمنابر، وهم يفتقرون إلى مهارات التواصل، وأوليات أدب الحوار، والحد الأدنى من احترام المقام والكلمة.
فالكلمة ليست مجرد أصوات تخرج من الفم؛ إنها انعكاس لثقافة صاحبها، ووعيه، وتربيته، وقدرته على إدراك أثر ما يقول ، والأغرب أن هذا النوع من الخطاب يأتي أحيانًا في سياق اللهاث وراء أكثر أشكال النسوية صدامية، وكأن إثبات استقلال المرأة وتمكينها لا بد أن يمر عبر النيل من الرجل، أو تفكيك صورة الأسرة، أو السخرية من القيم الدينية والاجتماعية، أو تحويل العلاقة بين الجنسين إلى معركة مفتوحة.
إنه من المؤسف حقا أن نسمع أحيانًا من يتحدث في قضايا حساسة، وخصوصًا القضايا الدينية والتاريخية، بلغة سوقية مستفزة، مستخدمًا عبارات من قبيل «طز»، أو يصل به الانفعال إلى إطلاق عبارة شديدة الإساءة مثل «تف في وجه الرسول» عند حديثه عن زوج ابنة رسول الله ﷺ. هنا لم يعد الأمر مجرد اختلاف في الرأي أو جرأة في التعبير؛ بل أصبح سقوطًا في أدب الخطاب، وإساءة إلى مقام يستوجب التوقير والاحترام.
إن امتلاك المعلومة دون مرجعية قوية موثقة، لا يعني امتلاك القدرة على الحوار، وامتلاك الجرأة لا يعني امتلاك الحق في الابتذال. وقد يكون الإنسان واسع المعرفة، لكنه فقير في الذوق؛ وقد يكون صاحب منصب أو حضور اجتماعي، لكنه عاجز عن إدارة حوار محترم.
إن التواصل الفعّال ليس أن تقول كل ما يخطر في بالك، وإنما أن تعرف ماذا تقول، وكيف تقوله، ومتى تقوله، وأمام من تقوله. وهذه مهارة تُكتسب بالتعلم والثقافة والممارسة، وليست امتيازًا يُمنح لمجرد أن الشخص أصبح حاضرًا في مجلس أو ظهر على شاشة.
والأخطر من ذلك أن بعض الناس يخلطون بين الصراحة والوقاحة، والجرأة وقلة الأدب، والنقد والإهانة، وحرية التعبير وانعدام المسؤولية.
نحن بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار إلى ثقافة الحوار:
أن نختلف دون أن نشتم، وأن ننتقد دون أن نهين، وأن نناقش القضايا الحساسة دون أن نحولها إلى سوق للعبارات النابية ، فليس كل من جلس في صدر المجلس جديرًا بالصدارة، وليس كل من امتلك الميكروفون امتلك أهلية الحديث.
ولهذا، فإن اعتراضنا ليس على شخص بعينه، وإنما على نمط من الخطاب يريد أن يجعل الصدمة بديلًا عن الفكرة، والاستفزاز بديلًا عن الحجة، وتحقير القيم بديلًا عن نقدها..
أيها اللاهثون وراء عربة الحضارة، لن تمروا.

