ماذا يعني امتلاك المقاومة للطائرات المسيرة ؟


مهدي مبارك عبدالله

=
بقلم / مهدي مبارك عبد الله

لا زلنا نتذكر جيدا في منتصف عام 2019عندما اعلن الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى أن طائرة مسيرة ( درونز + ) أطلقت من قطاع غزة استهدفت آلية عسكرية تابعة له وألحقت بها أضراراً بعدما ألقت عبوة ناسفة على موقعٍ عسكريٍ في المنطقة القريبة من السياج الحدودي وقد تمكنت الطائرة من العودة إلى القطاع

على الرغم من إطلاق النار عليها بواسطة طائرة إسرائيلية مقاتلة وقبل ذلك كشفت حركة المقاومة الاسلامية حماس ولأول مرة أن طائراتها المسيرة قامت في إحدى طلعاتها بمهام محددة فوق مبنى وزارة الدفاع الاسرائيلية في تل أبيب كما تمكنت مؤخرا من إرسال طائرة إلى العمق الإسرائيلي وأعادتها إلى القطاع دون أن تصاب بأي أذى أو ملاحقة

حماس اليوم تمتلك عشرات الطائرات الصغيرة المختلفة والمتنوعة المهمات بعضها لتنفيذ عمليات هجومية وانتحارية وأخرى للاستطلاع وللحصول على فيديوهات من داخل اسرائيل بدأ تصميم هذه المسيرات من قبل مهندسي حماس في زمن الشهيد القائد نضال فرحات ورفقاؤه عام 2003 لكن اغتاله من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي وهو يحاول تجهيز الطائرة ومعه 5 من رفقائه من كتائب القسام حال دون اكمال مشروعة وبعد أكثر من 10 سنوات أُعلن عن استخدامها لأول مرة في طلعات استطلاعية متعددة

في عام 2014 أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة في معركة ( العصف المأكول ( اعلنت حماس عن امتلاكها ثلاثة أنواع من الطائرات قامت بتصنيعها في القطاع بمساعدة التونسي الراحل محمد الزواري الذي اغتاله جهاز الموساد الصهيوني في ولاية صفاقس وهو أحد القادة الذين أشرفوا على مشروع طائرات الأبابيل القسامية التي استخدمت في البداية لأغراضٍ استطلاعية

ثم قامت حماس بتطوير عمل الطائرات المسيرة إلى وجهة حربية لتكون سلاح استراتيجي في المواجهة الجديد مع إسرائيل بشن ضربات على قواعد الجيش الإسرائيلي الأمر الذي سبب قلقاً بالغاً لإسرائيل ومنذ تلك اللحظة بات الجيش الاحتلال يخشى من الطائرات المسيرة لدى المقاومة الفلسطينية والتي بإمكانها شل منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية ومهاجمة قواته في العمق بالقذائف الصاروخية والمتفجرات الثقيلة قبل أن تختفي باتجاه سماء القطاع

وقد كشفت كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية عن إدخال جيل جديد من الطائرات المسيرة باسم الشهيد ( الزواري) إلى الخدمة لتنفيذ مهمات رصد واستطلاع كما نشرت الكتائب فيديو يظهر تنفيذ الطائرة طلعات رصد واستطلاع لتحديد أهداف ومواقع الاحتلال خلال معركة سيف القدس الاخيرة

أي معركة مقبلة مع اسرائيل ستكون عبر الجو وليس البر والحدود فقط من خلال الطائرات المسيرة التي تمتلكها المقاومة وهي قادرة على الاستهداف الدقيق مما يعني تغير قواعد الصراع المستقبلي مع إسرائيل وربما يتم استخدام طائرات عدة في وقت واحد وفق مفهوم ( تقنية السرب ) أي من خلال التحكم بعدة طائرات بدون طيار باستخدام تطبيق واحد وإرسال الأوامر إليها جميعًا مرة واحدة باتجاه أهداف عسكرية محددة وبما يكبد إسرائيل خسائر كبيرة ويحمي العنصر البشري للمقاومة من الاستهداف

وحول مصدر تمويل تصنيع الطائرات المسيرة لدى فصائل المقاومة سواء بالدعم المالي أو الخبرات التقنية يعتقد بان إيران هي الداعم الحقيقي لحركتي حماس والجهاد الإسلامي على اعتبار أنهما حليفتيها في المنطقة وأن لدى ايران خبرة حقيقية واسعة في هذا المجال

في معركة سيف القدس الأخيرة اعلنت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس أنها نفذت هجمات على أهداف إسرائيلية باستخدام طائرات بدون طيار مفخخة من طراز ( شهاب ) محلية الصنع من بين الاهداف كانت ( منصة الغاز في عرض البحر ) قبالة ساحل شمال غزة ثم مصنع للكيماويات في ( نير عوز ) في صحراء النقب

وذلك رداً على العدوان الصهيوني المتواصل على أبناء قطاع غزة واغتيال ثلة من قادة ومهندسي القسام كما استخدمت كتائب القسام وسائل تكنولوجية حديثة جدا لإسقاط الطائرات المسيرة التابعة لجيش الاحتلال إسرائيل تعد أحد رواد تكنولوجيا الطائرات بدون طيار في العالم وهي أحد المصدرين الرئيسيين لها خاصة غير المسلحة منها وفي كل يوم تستخدم إسرائيل أسطولاً متنوعاً من الطائرات بدون طيار لجمع المعلومات الاستخبارية والمراقبة وتنفيذ الهجمات المنتقاة

بعدما باتت ( طائرات الدرونز ) لدى حماس تشكل خطراً أمنياً في ضرب أهداف عسكرية بدقة وإطلاقها للعبوات الناسفة على التجمعات الإسرائيلية على طول حدود غزة لردع إسرائيل عن استهداف المدنيين في القطاع وارسال اسراب منها لاستهداف المستوطنات ومواقع القناصة الإسرائيليين واسقاط متفجرات صغيرة مثل القنابل اليدوية عليهم

ورداً على إمكانية تعرض إسرائيل لهجمات بطائرات مسيرة طورت مؤسسة أنظمة ( رافائيل الدفاعية المتقدمة ) الاسرائيلية منظومة القبة الحديدية المضادة للصواريخ أساساً لتكون قادرة على اعتراض هذا النوع من الطائرات منذ عام 2015 واسقاطها بواسطة اشعة الليزر لكنه ثبت فشلها الكبير على ارض الواقع في المواجهات الأخيرة

وفي ذات السياق لا زالت القيادة العسكرية الاسرائيلية تتذكر جيدا الغارة السربية التي نفذتها مسيرات حوثية ( تصنيع إيران ) مزودة بصواريخ كروز ضد حقلي بقيق وخريص السعوديين التابعين لشركة أرامكو في خريف عام 2019 وهي الضربة التي أحدثت تحولاً في مسار حرب اليمن في السنوات الأخيرة حيث نجحت إيران في تصدير طائراتها بدون طيار إلى وكلائها في المنطقة بدءا من حزب الله في لبنان وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين وأنصار الله في اليمن

التقنيات وعمليات التطوير المستمرة مكنت المقاومة من امتلاك قدرات عسكرية قادرة على رفع الطائرات بدون طيار ( المسيرة ) إلى ارتفاع أكثر من 10000 قدم وذلك بعد إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي إسقاطه طائرة مسيرة للمقاومة الفلسطينية خلال قيامها بالطيران بهذا الارتفاع الشاهق

مما يعني أن هذه الطائرة تستطيع التحليق لمدة زمنية طويلة وهذا العلو يستخدم كمنصة للمراقبة الجوية والاستطلاع الجوي كما يمكن أن تتسلح هذه الطائرات بأسلحة جو- أرض بحمولة تصل لأكثر من 30 كجم بحيث تصبح مركبة جوية حربية من دون طيار تتربص بالعدو وتحركاته خاصة منصات الغاز في البحر وتجمعات الجنود والمواقع العسكرية والحيوية الأخرى

قدرة حماس على الاستفادة من استراتيجية الاستنزاف بواسطة المسيرات على غرار نموذج حسم حرب إقليم ( ناغورنو قره باخ ) لمصلحة أذربيجان اذا ما طبق عمليا فهو يتجاوز قدرة اسرائيل العملية على المواجهة نظراً لاعتماد البنية العسكرية لحماس بشكل رئيسي في المواجهة الحالية على العنصر البشري والصواريخ المتحركة التي يسهل تمويهها واخفاءها بمرونة عالية في الانفاق وغيرها

وذلك بعكس اسرائيل المشرعة والمكشوفة مستوطناتها ومرافقها ومنشآتها الحيوية العسكرية والمدنية وآلياتها وثكناتها امام مثل هذه الطائرات الانتحارية فضلا عن امكانية استغلال حماس نقطة ضعف مركزية لدى اسرائيل الا وهي الجبهة الداخلية وهو ما يمكنها من الحاق خسائر مادية وبشرية كبيرة بالاحتلال قد تقلب المعادلات وترسم خطوط صراع جديدة ستدفع اسرائيل حتماً الى التفكير ألف مرة قبل الاقدام على أي مغامرة لحرب جديدة على قطاع غزة

mahdimubarak@gmail.com

شكرا لكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.